• الجمعة 29 شعبان 1438هـ - 26 مايو 2017م
2017-05-26
السكينة والغضب
2017-05-19
الصَّمت والكلام
2017-05-05
وجه الحب وأقنعته
2017-04-28
جنة من ورق
2017-04-21
أبوظبي للكتاب
2017-04-14
قطار الأصدقاء
2017-04-07
شعراء
مقالات أخرى للكاتب

قفص القواميس

تاريخ النشر: الجمعة 12 مايو 2017

ماذا يُهمّك لو هجرتك الحشودُ، واختفى من صحن يومك من تُحبهم. وماذا يضرّك لو قيل تلوثَ عقله بالخيال المرّ، وصار يرى الناس أسراب أجناس، ويروي عن الحقيقة إن هي إلا لُمام أفكارٍ لا يدوم صوابها.

وأنت الذي طحنتك أوجاع البداية في طفولة الشقاء، صبياً أرادوا أن تهذّبه النواهي وتدربه المخاوف على الطاعات. وفتياً بلسانٍ فتيٍّ حر، تمنّوا أن تروّضه الأوامر على كتمان صوت قلبه. لكنهم لم يفلحوا، ورأيناك تقفز على الأسوار غير مكترثٍ بوعيد المدرسين، لا تبالي بنصائح الموت، ولا تُرعبك أفكار الخنوع في كتب الحذر.

أكتب: نعم، قالوا لك. لكنك كنت تمحي رجفة القلم كي لا يتغلل التردد في حبر المخيلة، وكي لا يرتبك المعنى وتصير الكلمات مجرد ظلالٍ لأصلها. وبدلاً من هزّ رأسك بالموافقة، ابتكرت يداك مجرىً للعبارة التي لا يريد أن يسمعها أحد. ثم وجدوا في أوراقك رسماً للوردة مطعونة بشوكتها، وشكلاً لرجالٍ بلا هالات وبلا ملامح، يمشون منحدرين من ماضٍ فضيّ، إلى حاضر غامقٍ ومستقبلٍ هو الهوّة ولكنها لا تُرى.

قُل: سمعاً، قيل لك. لكنك كُنت تُصغي إلى طائر الحرية، وهو يئنُّ في قفص القواميس مقصوص الجناحين. ولم ننتبه، إلا وصوتكَ قد تجمهر في القصيدة الهامسة. ولم نلتفت، إلا وهدم التماثيل هواية أصابعك الجديدة. وكانت الأقلام تُكسر بين يديك إن عَجَرتْ عن وصف ما ترجوه، وعما يتشكل من هواجسَ في رؤاك. ثم جاءت المرأةُ شكلاً يشبه جنّة الروح، ورأيت في حنوّ طلّتها ملاذك من طنين الزمن ووهن أيامه الخاوية. ولأنها جاءت واستقرت في ذاكرة التمنّي، صار العجرُ الذي قيّد قلبك دهراً وبث في عروق لسانك الصمت، إرادةً تلوي الحديد، وتلين لها المسافة، وينخُّ قرب شموخها جبل المستحيل.

إنها القصيدة إذن، وهي وطنك الذي لا تحدُّ فكرته المجرّة، ولا يضيقُ بك أو عليك. عندما تقف على عتباتها نافضاً كل المفاتيح، متطهراً من الأبواب المغلقة ومن يسكنون وراءها. وسوف ترى في بياض الورقة، خيول الحرية وهي تسرحُ في مراعي الريح، وستسمعُ تراتيل مطرٍ راقصٍ سيظل يكتب إيقاع وجدك.

من هنا عبر الشعراء قبلك واستقرّوا في شهوة الضوء، ومن هنا طريق خروجك الأبدي إلى منفى العذوبة التي إن ذبت فيها، نجوت. وإن طالتك شباكها نُلت يقين سرّك.

Adel.Khouzam@alIttihad.ae

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا