• الأربعاء 03 ذي القعدة 1438هـ - 26 يوليو 2017م
2017-07-17
الحب بيني وبين الكائنات
2017-07-03
حكاية التطويع
2017-05-01
طرقات كالشرايين (2 - 2)
2017-04-17
طرقات كالشرايين (1 - 2)
2017-04-03
الإنسان بين الأمومة والتبني
2017-03-20
الشعر عزف الشاعرية
2017-03-06
دعوة للسفر
مقالات أخرى للكاتب

حكاية التطويع (1 - 2)

تاريخ النشر: الإثنين 15 مايو 2017

كانت تجلس معنا وبيننا. رقيقة الحضور، رشيقة البنية. تتحدث بصوت خافت أو لا تتحدث. وإذا فاجأتها بالحديث ترخي أجفانها للحظة، وفي اللحظة الأخرى تتسع أحداقها ويلتمع في عينيها ذكاء حاد وقلق مستبد. متأملة، منصته ومنسحبة قليلا. بهذا الحضور الصامت، تفرض حضورها وتدفع بالآخرين إلى الصمت وإلى الهدوء. يحاول أحدهم أن يستدرجها للحديث فلا تستجيب. عندما فقط يكون الحديث ذا بعد فكري أو أدبي أو فني، تتوهج، تتحدث دون أن تخرج عن مسار الجلسة وموضوعها. ثم تصمت حين تشعر أن حديثها ليس موضع اهتمام وأن الجلسة ليست مجال هذا الحديث، فينتبه الآخرون لصمتها وإلى انسحابها فيتساءلون: لماذا تكون هكذا. إنها تختلف عن فلانة وفلانة، لا تضحك، لا تحفظ نكتا، لا يعلو صوتها،لا تهرّج وتبدو لهم غير موجودة ولكنهم في الوقت نفسه يحسون بوجودها. وجود غير عادي، وجود مختلف. ماذا بها؟ حزينة كئيبة، منكفئة؟ يتبرع أحدهم لإخراجها من صمتها، يدفع بها للمشاركة في الجلسة.. إنها (معقدة). هكذا يتوصل الجميع إلى توصيفها. ولماذا هي معقدة؟ ويبدؤون في التأويل، وينشط الخيال العقيم إلى ابتكار أو اجترار أسباب معروفة وسائدة ومتفق عليها لكي يكون الإنسان مختلفاً:

فشل في الحب. فشل في الدراسة، سر خفي، أكيد وإلا لماذا هي معقدة؟! وهكذا يقيّم الإنسان. هكذا يراد له أن لا يكون مختلفاً، أن يقال له إنك لست مقبولا إذا لم تشبه فلانا وفلانة.. ليدفع به إلى أن يتخلى عن ذاته، عن تجربته ونسيج شخصيته. عليه أن يشارك الآخرين في كل شيء.. فإذا كانوا في حزن فعليه أن لا يكون غير ذلك. وإذا ما قهقهوا يقهقه، وإذا شربوا أو أكلوا يشرب ويأكل حتى لو لم يشعر بالجوع أو الرغبة. وإذا ألقى أحدهم نكتة فالجميع عليهم أن يجتروا نكتاً حفظوها أو سمعوها ليشاركوا في إلقاء النكت. وقبلها عليهم أن يضحكوا، ويحكموا على هذه النكتة وصاحبها أن دمه ودمها خفيف. وعليه أيضاً أن يوافق على رأي مطروح، ويمدح صاحبه على الأقل من باب المجاملة. عليه أن لا يشعر بالتعب أو الانسحاب إلى مكان مريح إذا لم يشعر الآخرون بالتعب. فالتعبير عن الإحساس بالتعب يعني عدم رغبة في مجالسة الآخرين. وإذا ما شعر بحاجة إلى الانفراد بنفسه، فهو لا يحب الناس ولا يحب المعاشرة. إنه معقد أو أنه شخص غير طبيعي أو أنه متخلف.... (يتبع).

Hamda.khamis@alIttihad.ae

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا