• الأحد 02 جمادى الآخرة 1439هـ - 18 فبراير 2018م

أدركتُ أن الأولمبيادات تلعب دوراً مهماً كصمّام لتنفيس النزاعات الدولية، ولاسيما في عالم يُعتبر السلم والصداقة فيه صعبي المنال

حبّاً في الألعاب الأولمبية

حجم الخط |


تاريخ النشر: الثلاثاء 13 فبراير 2018

ديفيد فون دريل*

انسَ عقود الاستبعاد والاستعلاء، عندما كان الأرستقراطيون الأوروبيون والمليونيرات الأميركيون يستغلون مفهوم «الهاوي» الفضفاض لاستبعاد بعض أعظم رياضيي العالم. وانسَ أيضاً السقوط الأخلاقي الذي سمح لأدولف هتلر باستضافة ألعاب 1936. وانسَ النفاق الذي تجاهلت به اللجنةُ الأولمبية الدولية عمليات بالجملة لتعاطي رياضيين للمنشطات تورطت فيها ألمانيا الشرقية. وانسَ كذلك الفساد الذي كاد يؤدي إلى انحراف ألعاب 2002 عن سكتها في مدينة سالت لايك سيتي. وانسَ سوء التدبير الذي كاد يتسبب في إفلاس عدد من المدن المضيفة.

فحبّاً في الألعاب الأولمبية، على المرء أن ينسى النزعة التجارية الفجة، والدعاية الشديدة، والتلاعب بالمشاعر. ولهذا، سأنسى كل هذا - على الأقل إلى حين حفل اختتام الألعاب. إنني أحبُّ الألعاب الأولمبية لسببين: سبب من الرأس، وآخر من القلب. أما السبب الأول، فقد تطلب مني تبيّنه واستجلاؤه وقتاً طويلاً؛ لأنني كنت مأخوذاً بالخطاب الأولمبي حول الروح الأخوية للرياضة. فـ«هدف الحركة الأولمبية»، وفق موقع إلكتروني، تابع لـ«اللجنة الأولمبية الدولية»، هو «الإسهام في بناء عالم سلمي وأفضل عبر تربية الشباب من خلال الرياضة التي تمارس من دون تمييز من أي نوع، وفي إطار الروح الأولمبية التي تتطلب تفاهماً متبادلاً إلى جانب مشاعر الصداقة والتضامن والروح الرياضية».

وفي نهاية المطاف، أدركتُ أن الألعاب الأولمبية تلعب دوراً مهماً كصمّام لتنفيس النزاعات الدولية، ولاسيما في عالم يُعتبر السلم والصداقة فيه صعبي المنال. والواقع أن النبيل الفرنسي بيير دي كوبيرتان إنما أسّس الألعاب الحديثة انطلاقاً من استيائه من ضعف مواطنيه في حربهم القصيرة مع روسيا في 1870، ومع توالي السنوات، استحال مهرجانه الرياضي «حرباً» من دون مذابح، واختباراً لرياضيين مقابل رياضيين، ولكن أيضاً لدولة مقابل دولة.

ومع مرور الوقت، باتت مفاهيم الشرف والشجاعة والقوة والوطنية، التي أجّجت محركات الحروب لآلاف السنين، توجّه لمنافسات الألعاب الأولمبية التي تجرى على الملاعب الرياضية، وليس لساحات المعارك. وأضحت الألعاب مناسبة تؤكد فيها البلدان الكبيرة والصغيرة على سيادتها وتعبّر فيها عن فخرها. وقد استمعنا إلى هذه الروح التنافسية يوم الجمعة ضمن كلمات «بيتا توفاتوفوا» من جزر تونغا، الذي استأنف سيره عاري الصدر في حفل افتتاح ألعاب 2016، ولكن في ظروف باردة جداً هذه المرة، حيث قال: «إنني لا أتجمد، فأنا من تونغا!»، مضيفاً: «لقد أبحرنا عبر المحيط الهادي. وهذا لا شيء»!

ولا شك أن الولايات المتحدة والصين ما كانتا لتنفقا مئات الملايين من الدولارات على برامج التدريب لو أنهما لم تكونا تنظران إلى الألعاب الأولمبية باعتبارها مكاناً مهماً للتنافس بينهما، وما كانت البعض في روسيا لينخرط في أعمال غش ممنهج لو أنها لم تكن تتوق لتبوؤ مكانة بين قوى العالم الأولمبية. ومن جانبها، ما كانت كوريا الشمالية أيضاً لترسل رياضيين لو أنها لم تكن ترى في ذلك مكاسب وفوائد. وأنا أحبُّ الألعاب الأولمبية لأنني أفضّل الحروب الرمزية على الحروب الحقيقية. على أن الأعمق والأكبر هو حب «الألعاب» النابع من القلب الذي يخفق لجمال التفوق البشري. وقد حاول الفلاسفة منذ عصور قديمة تحديد الشيء الذي يميّزنا كجنس عن كل الأجناس الأخرى. وأعتقدُ أن هذا الشيء هو الطموح والقدرة على التطلع، وتحديد أهداف سامية، والمعاناة وتحمل التضحيات في سبيل تحقيقها.

وهذه الصفة التي تميّز البشر يمكن الاحتفاء بها في ما لا يحصى من مجالات الحياة: فثمة شخص يسعى لأن يصبح أباً جيداً، وآخر يسعى إلى أن يكون صديقاً أو جاراً أو زميلاً أفضل. ولكن في الألعاب الأولمبية نرى الأمر بطريقة واضحة وجلية: فالرياضيون من حول العالم يستعرضون ثمار تطلعاتهم: هبوط المتزلجين على المنحدرات، ولفات وقفزات المتزلجين الفنيين على الجليد، ومهارات وإتقان المتزلجين الجبليين، وتحدي المتزلجين للجاذبية، وسرعة لاعبي الهوكي، وتفوق متسابقي المزالج على الخوف. ... المزيد

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا