• الأحد 27 جمادى الآخرة 1438هـ - 26 مارس 2017م

رؤية .. ورؤيا

الإبداع.. ذلك المجهول

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 16 مارس 2017

لطيفة البصير

يعرف الكثير من قراء الأعمال الإبداعية ومتذوقيها هذا العنوان الشهير للشاعر بول ايلوار: «الأرض برتقالة زرقاء»، وربما يكمن سر شهرته في أنه عنوان بني على مفارقة غريبة تجمع بين الأرض والبرتقالة، ويضفي على البرتقالة لوناً غير اللون الذي تفصح عنه تسميتها.

وبالرغم من تعدد التآويل التي حظيت بها هذه القصيدة، فإنها تظل مجرد رؤية مختلفة أملتها يد غريبة على الإبداع، ذلك لأن الإبداع نفسه يخضع لانجذاب سري يجعله ينحت صوره دون أن يدرك سر ولادتها الحقيقي، فهو نفسه لا يستطيع أن يعثر تماماً على تفسير ما يحدث له. حين نعود لهذا الأزرق الذي يجمع بين البرتقالة والأرض، نجد أن الشاعر في قصائد أخرى أشار لعقدة الشعر البرتقالية لمحبوبته، التي كانت على شكل استدارة تشبه الأرض!

إن عودة هذا المعنى بشكل آخر، يوحي بأن المبدع يخزن اللحظات التي تعبر  في ذاكرته سواء بوساطة الصور المرئية أو الحسية حتى يستثمر استرجاعها بشكل مغاير تماما للصورة الأولى، ولذا يأتي الإبداع في كثير من الأحيان وكأنه يغرف من أرض غريبة حتى أن الكثير من المبدعين لا يجدون تفسيراً لكل تلك الأراضي المذهلة التي اقتحموها، بل يقفون في كثير من الأحيان وكأنهم لا يدركون تماماً لماذا جاءت على هذا الشكل دون ذلك الشكل (دائماً هناك شكل آخر لأي إبداع!). فاللون الأزرق عرف لدى البعض بأنه لون الروح و اللاوعي والصفاء والهدوء والحلم...، حتى أن العديد من المبدعين اعتبروه لون «الدفء الناعم»، وبأنه اللون الذي يتناغم بشكل قوي مع اللون البرتقالي؛ غير أنه لم يعرف هذا المعنى لدى الكثيرين أمثال بيكاسو الذي كان بالنسبة إليه، تعبيراً عن مرحلة زرقاء في فنه عرف فيها الأسى والقسوة بعد انتحار صديقه.  وبالرغم مما يحدث للمبدعين من انتكاسات في حياتهم الشخصية، فإن الإبداع هو الأكثر غرابة! وليس ارتباطنا بالألوان في الغالب، سوى ما تعاقدنا عليه، ولذا فإن المبدع هو الذي يمنح المعنى للون ولوظيفته، ذلك أن إحساسه هو الذي يبني المعنى.

إن الداخل الإنساني هو نفسه أكثر غرابة من الواقع، فحين نتأمل الإبداع عموما، نجد هذه التجارب التي أحدثت نوعاً من المشاكسة الجميلة للذوق وزعزعت طمأنينته، فحين يرسم الفنان التشكيلي «رونيه ماغريت» لوحة بها غليون طبيعي ويقول للمتلقي : «هذا ليس غليونا»، فإنه يقض مضجعه ويدفعه إلى معرفة أخرى تختلف تماماً عما يراه ويدفعه للتأمل في ما وراء الصورة التي تبدو واقعية، والتي يرى فيها المتلقي غليونا فحسب، لكن الجملة الشهيرة لـ «رونيه ماغريت» تثبت أن جدوى الغليون غير موجودة في اللوحة، لأن الانتفاع به يكمن خارج اللوحة، أما بداخلها فينبغي أن نراه عملاً فنياً لأنه داخل سياق خاص مستقل، والسياق هو الذي يحدد وظيفته.

وقد راهن الفن والإبداع عموماً على هذه التوترات والانقلابات في صيغ تأليفه، إذ أنه عمل حتى بشكل لا إرادي ولاواع في بعض الأحيان، على صدمة المتلقي. ويتحدث الباحث «أنتوني تابيس» في كتابه «تطبيق الفن» عن هذه النزعة، بقوله :«إذا لم يستطع شكل فني أن يفقد المشاهد بوصلته، وأن يحطم له طريقته في التفكير، فإنه ليس شكلاً فنياً للراهن».

وحين نتأمل كل هذه الإبداعات العالمية التي مرت من العديد من التحولات بنزعات أكثر غرابة في كثير من الأحيان، نعرف بأن الإنسان غالباً ما يشعر بالكثير من الشراسة الداخلية التي لا يستطيع تأويلها، سواء كانت نتاج أزمات فردية يمر منها أو أزمات عامة تمليها ظروف المجتمع . ووفق هذا التعبير نجد اليد التي تبدع، غالباً ما تدهشنا بملامح إبداعية لم نكن نتوقعها، ولأنها كذلك  فقد جعلتنا في كل الحقب نشعر بما كان يضغط على الإنسانية. إن كل هذه الأشكال الجديدة التي كانت تنوع في أدواتها وطرق تعبيرها، تداهمها اليد الأخرى التي ألفت النظام الكلاسيكي الذي يظل في خلفية الذوق الجمالي والذي يحكم بشكل لا شعوري في كثير من الأحيان على هذا الاختراق بالفشل.

حين نتأمل لوحات فان جوخ وأمثاله الذين أبهرونا بالفن الانطباعي، نجد أن معظم فناني الانطباعية كانوا مصابين بـ «قصر النظر»، الشيء الذي جعل العديد منهم يلتقط فقط ما يصل إليه من أثر للضوء. وقد عانى فان جوخ طويلا من تعب في العينين، وكان يخرج إلى الحقول كي يكون في حضرة الضوء والنفس معا، حتى بدا فنه نشازا باعتبار دقة التفاصيل التي اعتادها المتلقي وهو يتأمل المشاهد الكلاسيكية المتناسقة، ولحد الآن يعلو اسم وسهم فان جوخ وتباع لوحاته بأعلى الأسعار، بل أصبحت مدار عوالم التحولات التكنولوجية، سواء على شكل أفلام مصغرة أو أشرطة وثائقية أو غيرها، وكأنها صارت حكاية كبيرة تجمع العديد من التفاصيل التي عاشها بحزن ومرض نفسي أدى به إلى الجنون، فنرى الغروب وكأنه عيون دامعة، و نرى حقول القمح وهجوم الغربان بشكل مخالف، ونرى الليالي تهاجمها النجوم في أشكال أكثر غرابة، و كأنه كان يبني لذاته مسكناً آخر يهدئ من روعه الذي لا يعرف مصدره بالتحديد.

إن ما يبدو غريباً في هذا الشأن، أن معظم فناني الانطباعية عانوا عتمة العدسة وعتمة إدراك الألوان، والفنان الفرنسي كلود مونيه أصيب بعتمة العدسة المزدوج، وكان يلجأ إلى اللون الأزرق كي يكون بوصلته لرسم اللوحة، وكذا للتواصل مع عالم خارجي تحكمه الألوان، وهذا ما يجعل اليد الغريبة التي تبدع تكون في الغالب، تجلياً لخلل فيزيائي للجسد الذي يرى، أو خلل في النفس يتلمس من خلاله المبدع لحظات من الضوء تنير له أحاسيسه الخاصة.

بني الإبداع عموماً على ارتباكات نفسية وفيزيائية فأحدث بذلك عالما يتلون من عصر لآخر، ورغم كل الانتقادات التي تحارب خصوصياته، فإنه يظل شاهداً على الاضطراب العميق الذي يحدث للإنسان في علاقته بالطبيعة وبالوجود وشاهداً على الجمال الذي يخلق الإبداع إلى الأبد.

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

ما رأيك في استغلال المنابر الدينية في الشأن السياسي؟

مقبول
مرفوض
لا أعرف