• السبت 28 شوال 1438هـ - 22 يوليو 2017م

يستطيع بوتين الحركة بسرعة وبشكل غير متوقع في حملة جديدة من الصدمة والترويع، ولكنه لا يستطيع التعويل على حلفاء أقوياء أو اقتصاد منتعش

بوتين بلا حلفاء في 2017!

حجم الخط |


تاريخ النشر: الإثنين 20 مارس 2017

ليونيد بيرشيدسكي*

لطالما يؤثر الزعماء الروس أن يكونوا محل خوف ورهبة بدلًا من أن يكونوا محل استلهام وإعجاب. وبموجب هذا المبدأ تألق نجم الرئيس فلاديمير بوتين في عام 2016. ولكن العام الحالي قد يكون أصعب في وقت يستعد فيه الزعيم الروسي لما قد يكون انتخاباته الرئاسية الأخيرة في عام 2018. وجرأة بوتين العام الماضي، المصحوبة ببعض الحظ، آتت أكلها في صورة انتصارات في سوريا ونجاح في زعزعة استقرار أوكرانيا ودعم كبير لبعض الزعماء الشعبويين في الدول الغربية. وحتى الاقتصاد الروسي أظهر بعض العلامات المبشرة أيضاً. ولكن الطريق إلى العظمة الذي اختاره بوتين شاق. ومن السهل تصدر عناوين الأخبار ولكن من الصعب تحويلها إلى مزايا ملموسة طويلة أو متوسط الأجل.

والحال أننا نجد أن الجهود الروسية لبناء معارضات قومية ضد نخب تيار الوسط في أوروبا قد تؤدي إلى نتيجة عكسية. والواقع أن حكماء الكرملين ووزارة الخارجية الروسية لم يعلقوا مثلاً آمالاً كبيرة قط على أن يصبح خيرت فيلدرز رئيساً لوزراء هولندا ليعترض على تمديد أمد العقوبات على روسيا، أو أن تفوز زعيمة حزب الجبهة الوطنية في فرنسا مارين لوبن لكي تفكك الاتحاد الأوروبي كليةً. وفي الانتخابات الألمانية المقبلة، لا يوجد أيضاً حزب أو مرشح ذو شأن يمكن الاعتماد عليه في تحقيق أهداف بوتين. ومارتن شولتز من الحزب الديمقراطي الاشتراكي ليس أيضاً أكثر تأييداً للكرملين من المستشارة أنجيلا ميركل.

ومع ذلك بدا فوز الرئيس دونالد ترامب في الولايات المتحدة عند الوهلة الأولى كما لو أنه نجاح كبير لبوتين، خاصة إذا كان المرء يصدق تلك القصص عن علاقات ترامب ومساعديه الوثيقة بروسيا. ولكن حتى إذا كان ترامب قد خطط لأن يتقارب مع بوتين، فهو محاصر بحملة كبيرة معادية لروسيا من وسائل الإعلام والخصوم السياسيين. فقد أصدرت وزارة الخارجية الأميركية يوم الخميس الماضي بياناً أدان بشدة ضم روسيا للقرم في الذكرى السنوية الثالثة لضم شبه الجزيرة. وعلى رغم هذا، يبقى ترامب أفضل لبوتين من هيلاري كلينتون لو كانت قد فازت في الانتخابات. ومن الواضح أن تركيز ترامب ينصب على الداخل، كما أنه غير راغب أيضاً، أو ربما غير مؤهل لأن يتدخل في مجالات توجد فيها مصالح روسية مهمة مثل أوكرانيا والبلقان وليبيا. وفي سوريا، تقتصر مصالحه على إلحاق الهزيمة بـ«داعش»، وهي من مصلحة روسيا أيضاً.

وفي ظل إدارة ترامب، عززت الولايات المتحدة تورطها في سوريا. وساعدت ضربات جوية أميركية في الآونة الأخيرة قوات نظام الأسد وروسيا على انتزاع تدمر من مقاتلي «داعش». وكل هذه التحركات تدفع موسكو نحو تحقيق هدفها في أن يكون الأسد جزءاً من أي تسوية في المستقبل. ولكن هذا ليس مثالياً، فقد كان بوتين يفضل حسم الأزمة السورية بالشراكة مع تركيا، مما يقسم مجال النفوذ بين البلدين بحكم واقع الحال. ولكن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان أثبت أنه شريك مختلف الأولويات بسبب حرصه الشديد على التصدي للانفصاليين الأكراد. وقد اضطرت روسيا إلى قبول نوع صامت من التحالف مع الولايات المتحدة لمراقبة أردوغان. وهذا يضيف تعقيدات للتوصل إلى اتفاق نهائي بالنسبة لبوتين. وعلى كل حال، فليس من المتوقع أن يتم التوصل إلى اتفاق قريباً على رغم جهود الدبلوماسية الروسية والتركية.

وفي البلقان وليبيا، أعلنت روسيا خياراتها، ولكنها حرصت على ألا تقوم بأي إجراءات مفاجئة على غرار ما حدث في القرم؛ لأن الانتصار لن يكون مؤكداً والهزيمة قد تكون كارثية للسمعة التي صنعها بوتين بعناية عن كونه قوة دولية. والانقلاب العسكري المزعوم الفاشل العام الماضي في الجبل الأسود - وهو ما قد يكون مسعى من تلقاء بعض القوميين الروس تسامح معه بوتين دون أن يدعمه بشكل كامل- يمثل سبباً جيداً للحذر. وتتردد موسكو أيضاً في تقديم الدعم الكامل للجنرال خليفة حفتر في ليبيا؛ لأن الانخراط أكثر قد يورط روسيا في مسعى أكثر تكلفة مما يستطيع بوتين تحمله سياسياً وعسكرياً. وفي أوكرانيا، من المحتمل أن يؤدي تشديد قبضة بوتين هناك إلى تحويل الصراع إلى مجرد قضية خاسرة للغرب، ويشجع على صيغ من القومية العنيفة التي قد يكون تصاعدها أشد خطورة على روسيا. ومن المرجح أيضاً أن تبتعد أوكرانيا عن روسيا أكثر هذا العام.

واقتصادياً، قد لا تنتظر روسيا إيجابيات كثيرة في المستقبل. صحيح أن سعر برميل النفط إذا استمر عند أقل من 50 دولاراً، لن تنهار ميزانية روسيا، ولكنها لن تحقق نمواً أيضاً. والإنتاج المحلي الإجمالي من المتوقع أن يزيد 1% فقط، وهي نسبة أقل من أن تدعم أي توسع جيوسياسي فيما يتجاوز المشروعات القائمة رخيصة التكلفة نسبياً. ويستطيع بوتين أن يتحرك بسرعة وبشكل غير متوقع في حملة جديدة من الصدمة والترويع، ولكنه لا يستطيع أن يعول على حلفاء أقوياء أو على اقتصاد منتعش. ولذلك فهو يتوخى الحذر حالياً، وهذه طريقة مؤكدة للاختفاء من العناوين العريضة التي اعتمد عليها لدعم صورته.

*كاتب روسي مقيم في برلين

ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست وبلومبيرج نيوز سيرفس»

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا