• الأحد 28 ذي القعدة 1438هـ - 20 أغسطس 2017م

ضمن عروض المسابقة الرسمية لـ «أيام الشارقة المسرحية»

«خفيف الروح».. حفر أنيق في خفايا النفس البشرية

حجم الخط |


تاريخ النشر: الثلاثاء 21 مارس 2017

إبراهيم الملا (الشارقة)

قدمت فرقة مسرح دبي الأهلي، مساء أمس الأول، في معهد الشارقة المسرحي، ضمن عروض المسابقة الرسمية لمهرجان أيام الشارقة المسرحية (الدورة 27)، عرضاً بعنوان «خفيف الروح»، من تأليف وإخراج جمال مطر، الذي يعود بعد غياب طويل إلى «أيام الشارقة»، ولتضمن له هذه العودة روحاً متخففة من الإبهار الشكلي والمبالغة الدرامية، ولتمنح جمهور«الأيام» وهجاً أسلوبياً مقتصداً في مظهره، ومكتنزاً في جوهره، مقارنة بالنمط السائد عموماً في المسرح المحلي.

جاء هذا التميّز مقروناً كذلك بصياغات مشهدية يمكن إحالتها إلى النبش المتأنّي والحفر الأنيق في خفايا النفس البشرية، وفي الأنساق السلوكية، وبما تنطوي عليه هذه الأنساق والخفايا من أشواق وتطلعات، ومن خيبات ومرارات أيضاً.

وكان أثر الاعتناء بهذه الحمولات الوجودية داخل فضاء العرض ملموساً من خلال النحت في ثنايا النص، وتشذيب المكونات المشهدية من موسيقا وإضاءة وسينوغرافيا رمزية، والرهان على الأداء التمثيلي، ضمن مفردات مسرحية منتبهة بدقة للتفاصيل والهوامش المحيطة والمتداخلة مع مركز ومحور السؤال الجوهري في العرض، وهو: هل يمكن لفكرة التغيير أن تصمد وتنتصر في مناخ يعجّ بالثوابت المحبطة؟ وهل الحراك الذاتي والمجتمعي في اتجاه المستقبل، هو حراك محكوم بالنوايا وحدها، أم يجب دعمه بإرادة صلبة وخطوات مضيئة تنفض في طريقها غبار الخوف وظلامية الجهل ورواسب الجمود؟

تفتح ستارة العرض على فضاء معتم وفارغ تقريباً من أي عنصر ديكوري ثابت، سوى الكرسي القابع في منتصف الخشبة، ومع دخول ماسح الأحذية بملابسه الرثّة - الممثل جمال السميطي - وهو يمتطي دراجته العتيقة وبمصاحبة موسيقا هادئة للبيانو وآلة الفلوت، نشعر بوجود فسحة إنسانية عامة في العرض لا ترتبط بشرط الزمان وحدود المكان، وحتى مع دخول حارس البنك - الممثل طلال المحمود - في كادر العرض، فإن الفواصل القاطعة للماهية تذوب وتتلاشي في هذا المحيط الداكن واللاغي لصراع الهويات، لأن أصل الصراع ومنشأه سيكون متمحوراً هنا بين السكون والحركة، وبين الثبات والتغيير، وبين الحرية والاستلاب، حيث ينطلق «ماسح الأحذية» من قيم وقناعات واعية ومؤمنة بقيمة «السؤال» وما يمليه هذا السؤال من بواعث للفضول والبحث والمعرفة وتنوع الفرص ومجابهة المستقبل، بينما نرى «حارس البنك» قابعاً في منطقة «الإجابات الجاهزة»، ومحاطاً بدائرة من المشاعر السلبية ومن الأوهام والخيالات الضاغطة على عقله والمقيدة لروحه.

يتحدث ماسح الأحذية عن المهن الكثيرة والمتعددة التي مارسها سابقاً، ليكتشف في كل مهنة أبعاداً جديدة للحياة، وزوايا متنوعة في الطبيعة البشرية، إنه يعيش ثراء الوجود بكل تقلباته الموجعة والمبهجة، بينما يظل حارس البنك رهين مهنته الليلية القاحلة، وكأنه السجّان المفرط في تقييد ذاته وتعذيبها، متخبطاً في أفكاره السوداء، وممزقاً بين حبه لزوجته وعائلته، وممتلئاً أيضاً بالشكوك وأوهام الخيانة الزوجية، وكأنه يتسلى بدماره النفسي، يجترّ الإحباط كواقع جبري، ويقطن في خرابه الذاتي، وكأن هذا الخراب هو قدره الأبدي ومصيره المطلق. ... المزيد

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا