• الأحد 10 شوال 1439هـ - 24 يونيو 2018م

ما لم يُقَل في الثِّمِل بحرّيته ويفسّر سوداويته

سيوران.. شكوكي يهتك حجاب البصيرة

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 08 مارس 2018

أنطوان جوكي

عدمي، سلبي، تشاؤمي، شكوكي، مناهض للحداثة، مبغض للحياة... إنها الصفات التي تحضَر في كل مرة نتكلم أو نكتب عن الفيلسوف الروماني إميل سيوران (1911 1995). ولكن إلى أي حد يمكننا التسليم بصحّتها، خصوصاً حين نعرف أنها ناتجة من قراءات لم يكن عيبها الوحيد طابعها المجتزَأ، وبالتالي عدم أخذها في الاعتبار مجمل عمله الكتابي، بل أهملت أيضاً عناصر من سيرته الذاتية تفجّر هذه الصفات أو تكشف الأسباب التي دفعت هذا العملاق إلى «ارتدائها»، من دون أن تحاصر شخصيته كلياً أو تحسم موقفه الوجودي؟

فلنبدأ بالشكوكية المتأجِّجة التي تميّز سيوران أكثر من أي صفة أخرى. ما لم نعرفه حتى مؤخّراً هو أن مصدرها كان الأرق الذي عانى الفيلسوف باكراً منه وجعله يختبر أزمات يقظة متواصلة غيّرت راديكالياً علاقته بالزمن ونمّت إحساسه بغرابة حضوره داخل العالم، وبالتالي بتفاهة الوجود وحدود الإدراك. لكن لهذه الشكوكية مصدرٌ آخر، سيرذاتي، قلّما توقّف الباحثون عنده، ونقصد تلك الهفوة التي ارتكبها في الثلاثينات بتحمّسه للحيوية النازية، ثم لحركة «الحرس الحديدي» الفاشية الرومانية. هفوة تأسّف لارتكابها لدى استقراره في فرنسا عام 1937، وذلك إلى حد دفعه إلى وعد نفسه بعدم تبنّي أي أيديولوجيا أو يوتوبيا، مهما كانت طبيعتها.

وكردّ فعلٍ على هذه الهفوة، عانق الشكوكية التي تترجمت بمساءلته جميع الحقائق المتعارف عليها، وبتفحّصه بمجهرها كل ما يتعلّق بالإنسان: الزمن، الحكمة، الإيمان، الحب، الموت، اللغة، التاريخ، من دون أن ينسى الأمل: «نحن عبيد وسنبقى عبيداً طالما لم نُشْفَ من هاجس الأمل». فبالنسبة إليه، ليس الأمل ما يحيينا، بل ما يستلبنا ويفسدنا، ومن الأفضل عدم انتظار أي شيء من الحياة. وفي هذا السياق، فضّ روابطه بالفلسفة الكلاسيكية، «المجرّدة والمخرخِرة»، بعد تشبّعه منها: «أسوأ أنواع الاستبداد هو النظام، في الفلسفة وفي كل شيء»، مستقياً فكره مباشرةً من معيشه وحالته الذهنية وأحاسيسه وعذاباته وهواجسه: «كل فكر ينحرف من إحساسٍ محبَط». فكرٌ ذاتي إذاً يسمح بجميع التناقضات، لكن تصبغ أبحاثه الحميمة وانفعالاته نبرةٌ شمولية.

وفعلاً، بتحليل نفسه من دون أي مراعاة، فكّك سيوران الطبيعة البشرية التي تشكّل الهشاشةُ مادّتها، دافعاً بالفكر إلى آخر معاقله، حيث تنبثق بدايةُ حقيقةٍ، ونتحرّر من المظاهر. من هنا اعتبارنا إياه أحد أهم ممزّقي الأوهام في القرن الماضي، إذ جمع في مسعاه صراحةً لا تقاوَم وبصيرةً لا هوادة فيها، وحافظ داخل عزلته الملتهبة على مواجهة شاملة ومدوخة مع نفسه، منحرفاُ أحياناً نحو توحّدٍ عنيف ومجنون يفسّر لماذا تأخذ إبسالاته المسرفة أحياناً شكل هذيانٍ أو اختلال فكري.

النقطة الثانية التي أهملها الباحثون، وأهملوا ارتباطها الواضح بهفوة الصبا، هي عذاب سيوران من ذلك الوعي المتفاقم والملحّ الذي جعله يقول: «أكثر من مجرّد شوكة، الوعي خنجر في اللحم»، وأيضاً: «الخلاص؟ كل ما يقلّص سلطان الوعي». ولذلك، كان يحب التنزّه على درّاجته والسير والأعمال اليدوية، فالجهد الجسدي والحركة يطفئان الوعي. ومن المنطلق نفسه، عاش شكَّه كعلّةٍ كانت تسمّم إرادته في الحياة، ما جعل الانتحار يرافقه مثل ظلٍّ وفي ويصبح أحد مواضيعه المفضّلة، علماً أنه لم يعبر أبداً تلك المسافة التي تفصل فكرة الانتحار عن فعله، بل ساعده إمساكه بقرار وفاته على تحمّل حياته، معتبراً أن الفعل المذكور لا يقل عبثية عن فعل الحياة.

لكن شكّ سيوران لم يكن سلبياً بالمطلق، كما ظنّ البعض، بل ساعده على تمزيق الحجاب الذي يغشي البصيرة، وعلى تلطيف الجانب المأساوي للوجود وبلوغ التجرّد والسكينة. كما لم يكن هذا الشك كلياً، كما صوّره بعضٌ آخر، فغزيرة هي شهادات اليقين التي سيّرها الفيلسوف في كتاباته، أحياناً من دون تفسير أو برهنة، وتعكس «شغفاً بالمطلق داخل نفْسٍ مرتابة». يقين يتجلى خصوصاً في راديكالية أقواله القصيرة والجانب القاطع لحُجَجه. ولو كان شكّه كلّياً لما مارس الكتابة طوال حياته ولشكّك بضرورتها والتزم الصمت. وما تحمّسه للعقيدتين النازية والفاشية في صباه سوى دليل على ميلٍ إلى يقين لم يتوارَ كلياً داخله. ... المزيد

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا