• الثلاثاء 26 شعبان 1438هـ - 23 مايو 2017م

30 سنة يطارد المعنى في المنسيّ والمهمَل

محمد أبو لحية.. لمن يترك الفنان كائناته حين يترجَّل؟

حجم الخط |


تاريخ النشر: الأربعاء 11 يناير 2017

إبراهيم الملا (الشارقة)

فقدت الساحة التشكيلية في الإمارات صباح أمس، الفنان والنحات المخضرم محمد عبدالله أبو لحية (مواليد الشارقة 1953) بعد معاناة طويلة مع المرض امتدت لثلاث سنوات. وساهم أبو لحية منذ منتصف الثمانينيات من القرن الماضي في إثراء المناخ التشكيلي بالدولة من خلال أعمال اتسمت بعفويتها وحسّها الفطري البعيد عن المقاييس الأكاديمية، الصارمة والمتكلّفة.

استفاد أبو لحية في بداياته من الحماس المبكّر لأنماط النحت الموصولة بالذات والمكان في أعمال كل من الفنانين الدكتور محمد يوسف وعبدالرحيم سالم، وكانت لتوجيهات وملاحظات الفنان الكبير الراحل حسن شريف دور مهم في تطوير تقنيات ومفاهيم الفضاء النحتي لأعمال أبو لحية في أواسط التسعينيات، كما استفاد من المتابعات والقراءات النقدية لعدد من الفنانين العرب المنضمين لجمعية التشكيليين في الشارقة وفي مقدمتهم الفنان الراحل الدكتور عبدالكريم السيّد.

أقام‏‭ ‬أبو ‬لحية‭ ‬أربعة ‬معارض ‬فردية، ‬وشارك ‬على‭ ‬نطاق ‬واسع ‬في ‬العديد ‬من ‬التظاهرات ‬والمعارض ‬الفنية ‬المحلية ‬والدولية، ‬ومن‭ ‬أبرزها ‬معارض ‬جمعية ‬الإمارات ‬للفنون ‬التشكيلية ‬في ‬الفترة ‬ما بين ‬الأعوام (‬1986- ‬1993) ‬وبينالي ‬الشارقة ‬في ‬دوراته ‬الأولى ‬والثانية ‬الثالثة ‬في ‬الأعوام ‭‬1993 ‬ ‬1995، ‬والمعرض ‬الأول ‬للفنون ‬التشكيلية ‬في ‬دول ‬مجلس‭ ‬التعاون ‬الخليجي (‬1989)‬ ‬ومعرض ‬البورتريه ‬في ‬العام (‬1995)‬.‭

احتفاء

وكانت جمعية الإمارات للفنون التشكيلية احتفت بالأعمال المتفردة وشديدة الخصوصية للفنان أبو لحية قبل ثلاث سنوات عندما اشتدّ به المرض، كنوع من الوفاء لتجربته الطويلة والممتدة لثلاثة عقود، حيث حقّقت كائناته النحتية المفعمة بصمتها الناطق، صدى جماهيريا ونقديا مميزا خلال مشاركاته في المعارض المحلية والعربية والدولية من ما بين الأعوام 1985 2000، وحاز فيها عديدا من الجوائز وشهادات التقدير، منها: جائزة المركز الأول في مجال النحت‏‭ ‬بالمعرض ‬العام ‬لجمعية ‬الإمارات ‬للفنون ‬التشكيلية ‬وجائزة ‬النحت، ‬فئة‭ ‬المحترفين ‬في ‬معرض (‬الإمارات ‬في ‬عيون ‬فنانيها) ‬بالمجمع ‬الثقافي ‬في ‬أبوظبي.

اعتمد أبو لحية في إنتاج أعماله على خامات متنوعة مثل مواد الخردة، وعوادم السيارات المستهلكة، والبرونز، والخشب، والحديد، والحجر، والمواد البلاستيكية، وتدرّج في استخدام هذه المواد أثناء بحثه عن ماهية العمل الفني، وكان رهانه على بواعث اللاوعي والمصادفة، أقرب إلى إشراقة روحية ممتزجة بخبرة ومراس في تطويع المواد الصلبة والعشوائية، هذا المحفّز الداخلي جعله يعكف على التنقيب في جوهر الفن من خلال الخامات المستخدمة والتي يمكن بواسطة تكنيكات بدائية ونظرة ذاتية مغايرة أن تتحول إلى أشكال موحية تتحدث بصمت عن وقار مستتر وجاذبية مبثوثة فيها، تشع من عمق التفسيرات اللانهائية لمعنى ومضمون الجمال، وما يختمر فيه من أنساق ودلالات وتأويلات تتجاوز ما هو منسي ومهمل في حياتنا. تنطق أعمال أبو لحية بإيقاعات وترانيم موسيقية بصرية مضادة للانطباع الأول أو التعاطي المباشر مع شغله النحتي، ذلك أنها أعمال تسعى من خلال تنويع الخامات الأساسية فيها إلى التعبير عن لغة الطبيعة ذاتها، فالحجر والرمل والبازلت والحديد، إنما هي عناصر تعكس التمايز التكويني والثراء اللوني والانتباهات الفطرية العميقة في طفولة البشرية ذاتها. هذه الانتقالات الرشيقة في أعمال أبو لحية، بين التجسيد والترميز، والأشكال النباتية والإنسانية، والأخرى المحايدة المنقادة لنداء الحلم والغموض السحري، إنما تؤكد على حرية الفنان وانتصاره للتجريب حتى داخل المختبر أو الأسلوب الفني الواحد والمتماثل، وهي انتقالات تكشف عن مغامرة وفضول ورغبة في اقتحام الفن من بابه الواسع على السؤال والدهشة الإنسانية الخارجة من ينابيعها الأولى.

رمزية ذكية

يصف الفنان والناقد علي العبدان تجربة محمد أبو لحية بأنها تستند على حبه الشديد لتجسيد أفكاره في تكوينات ثلاثية الأبعاد، تساعده في ذلك خبرته التطبيقية بعد التحاقه بالمدرسة الصناعية القديمة في الشارقة، أواخر الستينيات من القرن الماضي.

ويرى العبدان أن أعمال أبو لحية قائمة على أفكار بسيطة ولكنه يغلّفها برمزية ذكية تحافظ على مظهر الفن، كما أن أعماله تحتشد حسب العبدان بطابع بدائي وفطري لا يمكن إنكاره، وموضوعاته تتوزع بين الأمثولات أو الأيقونات ذات الصبغة المحلية، والقضايا الإنسانية العامة، وقد تتداخل هذه في تلك، فكثيرا ما نجد الألفة الإنسانية في التكوينات ثنائية التشخيص لديه، والثنائية هنا كما يصفها العبدان هي رمز التزاوج والتعايش والاندماج والاختلاف الإيجابي، كما أنها، من جهة أخرى، رمز للتناقض أو التضاد، كالنور والظلام، والخير والشر، والقوة والضعف.

ويشير إلى أن أبو لحية تجاوز المرحلة الأولى لتجربته في الثمانينيات وبداية التسعينيات، حيث كان يمكن قراءة أعماله بسهولة، ولكن نتاجاته الأخيرة جاءت أقرب إلى المدرسة التجريدية التعبيرية في النحت، ثم توسّع أكثر في تقنية اللحام وتذويب المعدن في إنتاج الكثير من أعماله المتأخرة، وكذلك في تعامله مع مادة الرخام والمواد الصخرية، ليصل إلى مبتغاه التكويني، من حيث حيازة الحجم وتقييده للوصول إلى المعنى. ‏‭

     
 

.

الله يرحمك يابوي

علي محمد بولحيه | 2017-01-11

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا