• الخميس 29 محرم 1439هـ - 19 أكتوبر 2017م

من أوكلاهوما 1995 إلى فلوريدا 2017

إرهاب الجنود العائدين من الحروب.. "طاعون" يروع الأميركيين !

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 12 يناير 2017

(دينا محمود - لندن)

"اضطرابات ما بعد الصدمة طاعونٌ يضرب العديد من المحاربين الأمريكيين السابقين" اعتراف ورد على لسان وزير الدفاع الأمريكي أشتون كارتر، بعد 48 ساعة فحسب من الهجوم الدموي الذي وقع في أحد مطارات فلوريدا يوم الجمعة الماضي، على يد جندي أمريكي خدم في العراق سابقاً.

وبدا تعهد كارتر بمعالجة "الجروح النفسية والخفية" التي أصيب بها العديد من جنود بلاده خلال حربي العراق وأفغانستان، إقراراً بتفاقم ظاهرة الهجمات التي يشنها الكثير من هؤلاء الجنود عقب عودتهم إلى الولايات المتحدة بعد سنوات قضوها في ساحة القتال، وهو ما دعا مراقبين إلى اعتبارهم "خطراً إرهابياً فريداً من نوعه" يواجهه الأمريكيون في الوقت الراهن.

فقبل أن يخدم منفذ هجوم فلوريدا "استيبان سانتياغو" في صفوف الحرس الوطني الأمريكي في العراق، لم تكن تظهر عليه أي مؤشرات عنيفة، بحسب عائلته، التي قالت إنه عاد إلى البلاد "شخصاً آخر" يختلف في سلوكه وتصرفاته عما كانوا يألفونه منه من قبل.

لكن "سانتياغو"، الذي قتل خمسة أشخاص وجرح ستة آخرين في مطار فورت لودرديل قبل أيام قليلة، ليس سوى أحدث اسم على قائمة طويلة تشمل اسماء الكثيرين من أقرانه، لعل أقربهم به عهداً من الوجهة الزمنية؛ "مايكا جونسون" الذي شن هجوماً في مدينة دالاس في يوليو من العام الماضي، مما أدى لمقتل خمسة من عناصر الشرطة وجرح سبعة آخرين. وقد أقدم جونسون على ذلك بعد عامٍ واحد فحسب من عودته من الخدمة في أفغانستان.

أما إيفان لوبيز الذي قتل ثلاثة من زملائه العسكريين الأمريكيين قبل أن ينتحر في قاعدة "فورت هود" العسكرية بولاية تكساس، فلم يحتاج سوى إلى أربعة أشهر فحسب من الخدمة في العراق، لكي يصاب باضطرابات نفسية من بينها الاكتئاب، وهو ما أفضى به في نهاية المطاف إلى شن هجومه في أبريل 2014، الذي خلّف كذلك 14 جريحاً، كلهم من عناصر الجيش الأمريكي.

قبل ذلك بعامين، لم يتورع بنجامين بارنز عن الانخراط في تبادلٍ لإطلاق النار خلال حفل كانت تشهده مدينة سياتل، ما أدى إلى جرح أربعة أشخاص. لكن الأسوأ جاء لاحقاً، فقد فر بارنز - الذي خدم سابقاً في العراق وسُرح من الجيش الأمريكي لسوء السلوك - إلى متنزه وطني قريب، حيث أطلق النار على حارسةٍ للمتنزه فقتلها، قبل أن يلقى حتفه غرقاً خلال رحلة هروبه.

في 2012، ألقت السلطات الأمريكية القبض على ضابط ورقيب من بين المحاربين السابقين في الجيش شكلا برفقة جنديين آخرين "كتيبة اغتيالات" في تكساس، تعرض خدماتها بالأجر على الراغبين في قتل خصومهم مقابل خمسة آلاف دولار لـ"الرأس الواحد".

ويرى مراقبون أن مثل هذه الهجمات والجرائم بدت للعيان بشكل أكبر منذ عودة أول فوجٍ للجنود الأمريكيين من أفغانستان إلى الولايات المتحدة عام 2002. فمن بين عناصر هذا الفوج الذي رابط في قاعدة بولاية نورث كارولينا، قتل أربعة عسكريين زوجاتهم، ثم انتحر ثلاثة منهم بعد ذلك.

القاعدة نفسها سجلت ما بين عامي 2002 و2005 مقتل عشرة أشخاص لأسباب مشابهة، وهو ما تكرر في قاعدة عسكرية أخرى بولاية واشنطن، ارتكب العسكريون الموجودون بها - سواء كانوا محاربين عائدين أو جنوداً لم يُرسلوا للقتال في الخارج - سبع جرائم قتل، بينما وقعت فيها ثلاث حالات انتحار.

لكن الكثيرين ربما ينسون أن الهجوم الأكثر دموية الذي وقع على يد جندي أمريكي عائدٌ من الحرب، كان ذاك الذي وقع عام 1995 في مدينة أوكلاهوما، عندما فجر الجندي السابق تيموثي مكفاي - الذي شارك في حملة عاصفة الصحراء قبل ذلك بأربع سنوات - شاحنةً محملة بالمتفجرات أمام مبنى فيدرالي بوسط المدينة، بالتعاون مع شريكٍ له، مما أوقع 168 قتيلاً على الأقل وأكثر من 680 جريحاً.

ولعل تزايد وتيرة هذه الهجمات، هو ما دفع القادة العسكريين الأمريكيين إلى تسريح أكثر من 20 ألفاً من جنود الجيش وقوات مشاة البحرية (المارينز) بين عامي 2008 و2012 بعدما اعتبرت السلطات العسكرية أنهم "يعانون من اضطرابات".

وفي محاولة أخرى لمواجهة المشكلة، استحدث المسؤولون المحليون في تكساس برنامج تدريبٍ خاصاً لشرطتها لتحسين قدرات عناصرها على التعامل مع المشكلات التي يسببها جنود الجيش العائدون من ساحات القتال، وذلك بعدما تبين أن قرابة 10% من المتورطين في الاشتباكات المسلحة التي وقعت مع الشرطة حول قاعدة "فورت هود" منذ عام 2003 - وهي سنة غزو العراق - هم من العسكريين العائدين أو الجنود بشكل عام.

اللافت أن الجنود الأمريكيين العائدين أنفسهم يقرون بالاضطرابات النفسية والمشكلات العصبية التي يعانون منها جراء سنوات القتال في الخارج. فبحسب استطلاعٍ أُجري عام 2014 قال ثلثهم تقريباً إن "صحته العقلية ساءت عما كانت عليه قبل مغادرة الولايات المتحدة" للمشاركة في حربيها في العراق وأفغانستان، اللتين يُقدر إجمالي عدد الأمريكيين الذين أُرسلوا للقتال فيهما قرابة 2.6 مليون شخص.

غير أن الاستطلاع كشف عن نتائج مثيرة للقلق بشدة، من بينها أن نحو نصف العسكريين الأمريكيين العائدين من العراق وأفغانستان يرون أن "مواطنيهم الأمريكيين - مثلهم مثل العراقيين والأفغان - لا يحترمونهم بشكل حقيقي". كما أن نصف هؤلاء كشفوا كذلك عن أنهم يشعرون "بالانفصال عن الحياة الأمريكية"، بل ويرون أنهم يتحلون بـ"قيمٍ أخلاقية" تفوق تلك التي يتسم بها الأمريكيون الآخرون. وبلغ الأمر حد مجاهرة 60% ممن شملهم الاستطلاع - الذي شاركت صحيفة "واشنطن بوست" في إجرائه - بأنهم "أكثر وطنية من الأمريكيين المدنيين"، وقول 70% منهم إن مواطنيهم من المدنيين "عاجزون عن فهمهم".

وتمثل توجهات مثل هذه في نظر الخبير النفسي المقيم في لندن فتحي المسعودي مشكلةً تحول دون النجاح في علاج الجنود الأمريكيين العائدين من ساحات القتال، مما يعانون منه من اضطرابات نفسية.

ففي تصريحات لموقع "الاتحاد"، قال المسعودي إن "تقبل المصابين بمثل هذه الاضطرابات لفكرة الخضوع للعلاج" يشكل عاملاً أساسياً في مساعدتهم على التعافي من الأزمات العصبية والنفسية.

ولكن الخبير النفسي أشار إلى أن هذه الظاهرة ليست بالجديدة سواء على الولايات المتحدة أو غيرها من دول العالم، قائلاً إنه "سبق وأن عانى منها من شاركوا في الحربين العالميتين الأولى والثانية".

وأضاف المسعودي أن الاتحاد السوفيتي السابق واجه المشكلة ذاتها "عندما احتل أفغانستان لنحو 10 سنوات، فهناك من جنوده وضباطه من عاد وارتكب جرائم كبيرة، وبعضهم بات من زعماء عصابات المافيا".

ويعتبر أخصائي الطب النفسي أن النزوع إلى العنف بهذا الشكل أمرٌ يواجه "كل الجيوش التي تخوض حروباً.. فالجندي عندما يرى القتل أمامه بشكل يومي، تصبح حياته كلها متعلقةً به، وهو ما يؤثر عليه بالتأكيد.. فضلاً عن أن الكثير من الحروب التي خاضتها الولايات المتحدة كانت حروباً استعمارية قذرة إن صح التعبير".

من جهة أخرى، قال كميل الطويل الصحفي المتخصص في الشؤون الأمنية في العاصمة البريطانية لندن، إن الأمريكيين معتادون على مواجهة مشكلات مثل هذه، نظراً لأنهم مروا بها من قبل مع العائدين من الحرب التي خاضتها البلاد في فيتنام خلال ستينيات وسبعينيات القرن الماضي.

وقال الطويل في تصريحاته لموقع "الاتحاد" إن السلطات الأمريكية "تعلم أن الأمر لا يمكن تلافيه كلياً. لكن يمكن بالطبع الاعتناء بالجنود العائدين وإخضاعهم لفحوص نفسية".

واقترح الصحفي العربي المقيم في لندن أن يتم فرض "رقابة غير مباشرة ربما، على الجنود العائدين الذين تظهر عليهم مؤشرات تفيد بمعاناتهم من أزمات نفسية وصدمات متعلقة بالحروب التي خاضوها".

وأشار كميل الطويل إلى أن إمكانية تبدل توجهات جنودٍ مثل هؤلاء إلى حد إقدامهم على شن هجمات ضد بلادهم نفسها قد يعود إلى شعورهم خلال خدمتهم العسكرية بالخارج بـ"التعاطف مع ضحاياهم والتضامن معهم".