• الأحد 30 صفر 1439هـ - 19 نوفمبر 2017م

إحدى نقاط جاذبية كسينجر بالنسبة لترامب، هي أن الناخبين قد سئموا من نهجي جورج دبليو بوش وباراك أوباما في مجال السياسة الخارجية، وهما نهجان لم يكن لكسينجر علاقة بهما

كسينجر.. هل يقدم نصائح لترامب؟

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 12 يناير 2017

إيلي ليك*

دعونا نتريث برهة، ونلقي نظرة على ما يبدو أنه فصل هنري كسينجر الأخير. الرجل، الآن في الثالثة والتسعين من عمره. وفي مثل هذا العمر، يعتبر المرء محظوظاً، إذا ما كان لا يزال متبقياً لديه، ما يكفي من الطاقة لمتابعة برامج المسابقات التفاعلية على شاشة التلفاز، أو تدوين عدد قليل من التعليقات على «فيسبوك»، ولكن هذا الحكم لا ينطبق على كسينجر. ففي هذه الأيام، يمارس الرجل لعبة النفوذ، ضد أفراد الدائرة الداخلية الضيقة في أروقة واشنطن السياسية، الذين لم يكونوا قد ولدوا بعد عندما كان هو وزيراً للخارجية في إدارة ريتشارد نيكسون في سبعينيات القرن الماضي. فالمسؤولون في فريق ترامب الانتقالي، أكدوا لي أن كسينجر قد أمضى ساعات عديدة منذ الانتخابات، في تقديم النصح لمستشار الأمن القومي القادم «مايكل فلين» وفريقه. ليس هذا فحسب، بل إنه كما قال لي هؤلاء المسؤولون، يعمل في الوقت الراهن، على تثبيت شبكته الخاصة في موقعها، حيث أوصى بتعيين مساعده السابق «كي. تي ماكفارلاند» كنائب لفلين، وحث ترامب على تعيين «ريكس تيلرسون»، الرئيس التنفيذي لإيكسون موبيل، وزيراً للخارجية. ويشار في هذا السياق إلى أن كسينجر يعتبر واحداً من عدد قليل من الأشخاص، الذين يدورون في فلك ترامب، الذين يستطيعون الاتصال به هاتفياً في أي وقت- كما قال لي أحد مستشاري الفريق الانتقالي.

هذا هو ما يدور خلف الكواليس. ولكن علينا أيضاً أن نأخذ في اعتبارنا أن كسينجر يعمل محللاً لترامب، ومبرراً لتصرفاته في وسائل الإعلام المختلفة. وقد ظهر ذلك بشكل واضح في دفاعه عن اختيار ترامب لتيلرسون المعروف بقربه من الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، وتبريره لمحادثة ترامب الهاتفية مع رئيس تايوان في ديسمبر أمام «لجنة المئة» التي تدافع عن العلاقات الأميركية الصينية. ولم يقتصر الأمر على ذلك، حيث سافر كسينجر أيضاً إلى أوسلو، كي يحث زملاءه الحاصلين على جوائز نوبل على منح الفرصة للسياسة الخارجية، للرئيس القادم.

الشعور السائد في واشنطن في الوقت الراهن، هو أن عام 1975 الذي كان كسينجر يشغل فيه منصب وزير الخارجية في إدارة نيكسون، قد عاد مجدداً بكل تفاصيله. ويجب أن يُقال في هذا السياق أيضاً، إن جميع الرؤساء، ووزراء الخارجية الأميركيين تقريباً «قد طلبوا المشورة من كسينجر في مناسبة أو أخرى. ولكن في سنوات أوباما، لم يكن كسينجر يحظى بمثل هذا القدر من التأثير. فبعد أن شارك كاتباً آخر في كتابة مقال يعارضان فيه الاتفاق النووي مع إيران، قللت المتحدثة بلسان وزارة الخارجية من تأثير ذلك المقال بقولها:«إن المقال عبارة عن كلمات ضخمة وأفكار ضخمة ولكنه لا يحتوي على تفصيلات محددة».

مع ذلك قد يبدو مستغرباً القول، إن كسينجر ستكون له كلمة مسموعة لدى ترامب، لأن الرجل ببساطة هو مهندس الكثير من السياسات التي يؤكد ترامب أنه سيعمل على تفكيكها، مثل سياسة صين واحدة، وسياسة الحد من انتشار الأسلحة النووية، وغير ذلك من السياسات التي تشكل القواعد الراسخة للنظام الدولي، الذي ساهم كسينجر في بنائه.

يفسر «نيال فيرجسون» المؤرخ، وكاتب السيرة الشخصية لكسينجر هذه المفارقة بقوله:«السبب الذي جعل ترامب يلجأ لكسينجر، هو أنه يعتبره المنظر الجيوبوليتيكي الأكثر ألمعية وخبرة، والممارس الدبلوماسي الأكثر براعة في الولايات المتحدة في الوقت الراهن- وهو على حق تماماً في ذلك. أضف لذلك أن ترامب يدرك أيضاً أنه بمقدوره استخدام نصائح كسينجر في تحديد أولوياته الاستراتيجية».

هناك بعد ذلك السؤال المتعلق بالكيفية التي كسب بها ترامب الانتخابات. ولعلنا نتذكر هنا أن ترامب قد قال في مرافعته الختامية قبل فوزه بالرئاسة: «أقول لهؤلاء الذين يتحكمون في مقاليد السلطة في واشنطن، ولأصحاب المصالح الخاصة العالمية الذين يتشاركون معهم، إنهم لا يضعون مصلحتنا في الاعتبار». وهذا في الحقيقة وصف، ينطبق تماماً على شركة كسينجر للاستشارات، التي كانت تقدم المشورات الاستراتجية للحكومات الأجنبية، والشركات الكبرى منذ 1982.

وقد أخبرني فيرجسون أن أحد نقاط جاذبية كسينجر بالنسبة لترامب هو أن الناخبين قد سئموا من نهجي جورج دبليو بوش وباراك أوباما في مجال السياسة الخارجية، وهما نهجان لم يكن لكسينجر علاقة بهما، وإن كان يجب أن يقال مع ذلك إنه كان أقل انتقاداً لنهج بوش مقارنة بنهج أوباما. وقال فيرجسون أيضاً:«أعتقد أن ترامب منجذب لشهرة كسينجر كسياسي واقعي، وإن كان هذا كما ذهبت إلى ذلك من قبل في كتابي، ليس توصيفاً دقيقاً للرجل. كما أن من المؤكد أيضاً أن ترامب يقدر الشبكة الفريدة من العلاقات، التي قام كسينجر بتكوينها وجلبها للطاولة: وعلينا في هذا السياق أن نتذكر لقاءاته المنتظمة مع الرئيس الروسي «بوتين» والرئيس الصيني «شي». إنه لشيء مثير للدهشة في الحقيقة، أن نرى الرئيس المنتخب الذي شن حملة على أفراد النخبة العالمية، وهو يلجأ لرجل يعرف معظم أفراد هذه النخبة معرفة وثيقة. إنها في الحقيقة مفارقة لافتة، من المرجح أن يقدرها زبائن كسينجر السابقون.

*كاتب أميركي متخصص في الشؤون الأمنية والاستخباراتية

ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست وبلومبيرج نيوز سيرفس»

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا