• الأربعاء 24 ربيع الأول 1439هـ - 13 ديسمبر 2017م

ارحَلوا... لِتُكَرَّموا

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 12 يناير 2017

يتوارون بعبقريتهم خلف جدرانٍ شاهدة على إبداعاتهم، لا نشعر بوجودهم حتى يدركهم خريف العمر وتتساقط أوراقهم الواحدة تلو الأخرى، تاركين الساحة شبه عقيمة، لا وريث لهم يُبقي فتيل العطاء مشتعلاً، ولا نذكرهم إلّا بعد المرور على نبأ وفاتهم وتلاوة مقالات التأبين على أرواحهم، فننكبّ على أعمالهم ونطالعها بنهم، ونتساءل كيف أغفلنا طيفهم في محياهم ولم نحتف بهم. ونربّت على شعورنا بالذنب حيالهم بتكريمهم والإشادة بهم وتسخير مهارات الألسن في ذكر مناقبهم وسجاياهم وجميل خصالهم، ونحيي لذِكرَاهُم الندوات ونعقد الأمسيات ونتوّج بأسمائهم الطرقات وقاعات الجامعات.

هل يساورنا شيء من الشحّ التكريمي ويعترينا البخل التقديري؟ أم أنّ شعوراً بالنقص ينتابنا ويدفعنا لتجاهلهم والإعراض عنهم وإرجاء الاحتفاء بهم إلى أفول شمس أعمارهم؟ لماذا لا نُكرمهم على جزيل عطائهم وتفرّد شمائلهم وتميّز إنجازاتهم وإبداعاتهم إلّا بعد أن تصبح عظامهم رميماً؟ أم أنّ الموت يجمّل الأموات؟ فلا نشعر بقيمة النعم إلّا بعد فقدانها؟ لنقول نال الثريا بعد أن ووري الثرى والتحف به تاركاً إرثه ليثري به من بقي على قيد الحياة؟ لماذا نطرز أكفانهم بأطواق الورود ولا نكلّل إنجازاتهم بتيجان العرفان والامتنان؟

هناك مبدعون ذهبوا طي النسيان في عز العطاء، وأصبحوا مشاهير بعد الفَناء، منهم الكاتبة الفلسطينية اللبنانية مي زيادة «1886 - 1941» التي عاشت صقيع الوحدة وألم الغربة ورحلت ليأتي كاتب مغموراً يكتب عن سيرتها وإنجازاتها ليحصل على جائزة الدولة التشجيعيّة؛ لتكون محنتها الحياتية جائزة إبداعيّة لغيرها بعد رحيلها. أمّا العالم والمفكر المصري جمال حمدان «1928 - 1993»، فقد تفرّد في فلسفات الشعوب والفكر الاستشرافي الاستراتيجي، حيثُ كان عبقرياً في امتلاك أدواته وأخرج مؤلّفات وأبحاثاً تعكس عبقرية فذّة ليرحل بعد تجاهله وإقامته في شقة ضيقة لسنوات حسيرة، حتى غادر بفعل حريق شبّ في قلبه قبل مسكنه كمداً وألماً لتجاهله وعدم تقديره.

والقائمة تطول، فهناك علماء عرب لم يكرّموا لا أحياءً ولا أمواتاً ولم نسمع بهم، مثل العالم اللبناني «حسن كامل الصباح» الذي قدّم للبشرية نحو 176 اختراعاً رغم عمره القصير البالغ 41 عاماً، بالإضافة إلى العديد من النظريات في مجال الهندسة الكهربائية، حتى أطلقت عليه الصحف الأميركية اسم «أديسون الشرق»، وكان العربي الوحيد الذي منحه معهد المهندسين الأميركيين لقب فتى العلم الكهربائي.

ناهيك عن أسماء لمع بريقها بعد رحيلها كالأديب فاروق عبد القادر، والروائي أسامة أنور عكاشة، والشاعر محمد عفيفي مطر؛ وقبلهم الطيب صالح والشاعرة العراقية نازك الملائكة. وصَدَق الشَّاعر اللبناني القروي رشيد سليم الخوري حين قَال: «يَا أيُّهَا الأُدَبَاء مُوتُوا لِنُكْرِمَكُمْ».

أمّا أقاربنا وذوو الأرحام منا فهم في عداد الأموات أحياء، بيوتهم خواء، يشاطرون وحدتهم آهات النفس وآلام المرض وذكريات العمر ولقمة العيش وكوب الشاي الساخن، ولا يسمعون لنا حسيساً إلّا بعد رحيلهم، لنحتشد في زوايا حجرتهم الباردة التي تحتفظ وحدها بأسرارهم وهمومهم وأحاديثهم معنا وعتابهم لنا، ما أكرمنا معهم أمواتاً، وما أقسانا معهم أحياء.

جدليّة تُحيّرك وتُربِك فيك الشعور وتُدهشك في آنٍ واحد حين تقرأ مأساة تجاهل العلماء والمفكرين والأدباء والمبدعين وأصحاب الإنجازات الباهرة والبصمات المؤثرة، وخاصة من المتقاعدين، وفي عالمنا الآلاف من هؤلاء، ممن آثروا الصمت والتزموا العزلة بعيداً عن صقيع النكران، وبرد التجاهل وسوء التقدير فاختاروا الانسحاب الصامت من صخب الحياة الهادر دون أن يزعجوا أحداً.

الدكتور - عماد الدين حسين

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا