• الأحد 30 صفر 1439هـ - 19 نوفمبر 2017م
  12:22    قوات إسرائيلية تعتقل 6 فلسطينيين في الضفة الغربية    

إدغار موران يرصد معوّقات حضوره في «التفكير بالمعولم»

المستقبل على كفّ عفريت العولمة!

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 20 أبريل 2017

أم الزين بنشيخة المسكيني

«حتى المستقبل لم يعد كما كان»؛ هذه القولة لفاليري اختطفتها ألسن كثيرة وسافرت في قلوب الكتّاب والمفكّرين بعيداً. ولأنّ المستقبل لم يعد كما كان، ولأنّه لم يكن يوماً كما كان، يحذّرنا بول فاليري، الكاتب والشاعر الفرنسي المعاصر (1871-1945)، من الدخول في المستقبل بخطوات تمشي نحو الوراء. بحيث يعترف هذا الشاعر بأنّه ليس من عشّاق الماضي ولا من محبّي الذكريات ولا من الباحثين عن الزمن الضائع. ربّما لأنّ الإدمان على الماضي يعطّل إمكانية المستقبل، أو لأنّ المستقبل لا يأتي أبداً من الماضي، أو لأنّه لا ينبغي أن يتواصل الماضي بأيّ شكل، وذلك لفظاعته. فالماضي الذي يقصده فاليري هو واقع الحربين العالميتين بكلّ الفظاعات والآلام المخزّنة في تلك القطعة الدموية من تاريخ الإنسانية. لذلك كان يصعب عليه تخيّل وجه المستقبل وهو ما عبّر عنه في أسف شديد بقوله «واأسفاه..لم يحدث أبداً أن كان المستقبل صعب التخيّل كما هو اليوم». وذلك لأنّ الإنسانية الحاليّة قد دخلت حقبة تاريخيّة حيث يحتدّ «الصراع بلا أفق بين أشياء لا تتقن الموت وأخرى لا تستطيع الحياة».

ما هو وقع هذا التشخيص لفكرة المستقبل علينا اليوم، نحن أبناء العولمة الذين يتأرجحون بين الموت والحياة كلّ يوم، حيث أصيب العالم بضرب من الوهن الايكولوجي والإنسان بضرب من الهشاشة الميتافيزيقية، وصارت بعض شعوب العالم هائمة على وجهها تبحث عن أرض هادئة وعن سماء رحيمة..؟ ومن أيّة جهة سيأتي المستقبل إلى ديارنا كأكثر مساكن الكينونة ضرراً في العالم؟ أم أنّ ليس ثمّة مستقبل في انتظارنا؟ وماذا نفعل بالماضي؟ هل بوسعنا أن نلقي به في سلّة مهملات التاريخ أم علينا تأويله بما يجعله قادراً على معاصرة أحلامنا؟ نيغري المفكّر الإيطالي المعاصر يقول «نحن نعاني من المستقبل» وكاتب فرنسي آخر يقول «إنّ المستقبل ملك لمن هو جدير به». فهل نحن نعاني من المستقبل من هول ما يعد به، أم أنّنا لسنا جديرين به ؟ وربّما يكون برغسون على حقّ أيضاً حينما قال «إنّ فكرة المستقبل أكثر خصوبة من المستقبل نفسه».

وفي الحقيقة، بوسعنا القول العقل البشري المعاصر قد تفنّن في نسج سرديات مختلفة عن المستقبل، تراوحت بين فكرة التقدّم وفكرة الكارثة، وهو ما نلتقطه في كتاب للمفكّر الفرنسي إدغار موران تحت عنوان «التفكير بالمعولم» (1) سنحاول عرضها في هذا المقال في ستّ لحظات عاجلة :

المستقبل هو التقدّم

هذه الفكرة سادت منذ القرن الثامن عشر مع فلسفة التنوير الفرنسية والألمانية وصلب حركة فكرية واسعة النطاق بعامّة شملت الفنون والفلسفة والعلوم وازدهرت بأوروبّا ما بين 1715 و1789 على وجه الخصوص. ولقد وجدت هذه الحركة التنويرية في مفهوم التقدّم الأخلاقي الذي صاغه الفيلسوف الألماني المشهور إيمانويل كانط براديغما عامّا وفي مقالة «ما هو التنوير» لنفس الفيلسوف (1784) شعارها الدقيق وهو «تجرّأ على استعمال عقلك». ومن ثمّة انتشر مفهوم التقدّم في المجال العلمي والتكنولوجي وصار هو التعريف الجوهري لمفهوم المستقبل مثلما استبشر به العقل الحديث الذي نجح في تحرير الإنسانية من عصور الظلام وغطرسة الكنائس واستبداد الأباطرة، لكنّ هذا التعريف لمفهوم المستقبل قد عرف انتكاسات عديدة مع الحربين العالميّتين وتحوّل التقدّم التكنولوجيّ في مجال صناعة الأسلحة بخاصّة إلى كوارث مدمّرة للإنسانية. مما جعل التفكير بالمستقبل في ستّينيات القرن الماضي يقترن بمفهوم الكارثة مع ثلّة من المفكّرين الكبار من جنس فالتر بنيامين وليفيناس ودريدا الذين دقّوا نواقيس الخطر وأعلنوا أنّ العالم ينحدر نحو ضرب من الحداد على المستقبل نفسه.

أطروحة نهاية التاريخ ... المزيد

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا