• الجمعة 02 محرم 1439هـ - 22 سبتمبر 2017م

عندما ترى أفلامه تشهق متأثراً: يا اللـــــه

سـينما أوزو لوحات إنسانية لا يمحوها زمن

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 20 أبريل 2017

حسام نور الدين

أوجز المخرج الياباني/‏ ياسوجيرو أوزو (1903 -1963) على قبره، داخل معبد لطائفة (الزن) البوذية حكمته في الحياة بكلمة واحدة من حرفين أوصى بكتابتها: (Mu) بمعنى (العدم) بالمفهوم الغربي، بالرغم من أن أفلامه تشع بالإيحاء بالعالم العلوي، وبدورة الحياة المتكررة التي تحركها أقدار لا قبل للإنسان بتغييرها، ما يجعلك تشهق مؤمناً من قلبك: (يا الله!!)، مثل المشهد الفاتن في فيلمه (الصيف المبكر- 1951) للأب والأم ينظران بابتسامة لبالون أطفال يطير، ويتهادى عالياً في فضاء السماء، تحت حنان السحاب، وهما يتأملان مرور الزمن كلمح البصر بعد زواج أولادهما، وبقائهما لوحدهما على ضفة بعيدة من نهر الحياة. ومثل الكثير من المشاهد المنسابة عبر أفلامه الأخرى التي يتربع على قمتها فيلمه (قصة طوكيو- 1953) الذي يعتبر أفضل فيلم في العالم عبر تاريخ السينما كله، حسب استفتاء مجلة (سايت أند ساوند) .

مع تبصر فلسفة (الزن) البوذية، سندرك أن المقصود من الكلمة المكتوبة على قبره ليس العدم، كما يتعجل الفكر الغربي - أحيانا- في ترجمة المصطلحات، وفقا لثقافته، فطائفة (الزن) تؤمن بممارسة التأمل في نواحي الحياة، وأن كل الموجودات كائنات حية، أو جماد، تسري فيها روح ما، وتتغير من وضع إلى وضع، دون نهاية، ويتجسد فيها معنى من معاني الزمن ذلك الثابت المطلق لديهم، متمثلين وصايا نبيهم/‏ جوتاما سيدهارتا الذي عُرف باسم بودا أو بوذا، وأن (الكل في واحد، والواحد في الكل)، وأن الإنسان خلق ليتوحد مع العالم، كذلك تؤمن تلك الطائفة (الماهايانا) بتناسخ الأرواح، وتنقلها من جسد إنسان ميت، لإنسان أفضل إذا كان الميت صالحاً في حياته، وإلا تحول إلى جسد حيوان، لذا فمخرجنا لا يبحث وجود (إله) من عدمه، لكن يؤمن بقانون علوي للطبيعة يهيمن على حيوات الكائنات، ويحرك أقدارهم، وعند الموت يفنى الفرد في الفراغ، أو اللاوعي، ولا يصبح له وجود، فليست هناك (إجابة عن أي سؤال)، وهي ترجمة أدق لمعنى كلمة (MU)، لكن يظل التناقض في أصل هذه الفلسفة الدينية، كما كشفها/‏ عباس العقاد في كتابه (الله): «هذه الفلسفة تنكر الشخصية الإنسانية، لا تعترف بالذات أو بالروح، ومع هذا تؤمن بتناسخ الأرواح، وثبوت شيء في الإنسان يتنقل بين الأجساد والدورات، وإنها تؤمن بالكل، أو المطلق العمومي الوجودي، ثم تنفي عنه الذات، كما تنفيها عن الإنسان، مع أن الكل بغير ذات، لا يكون كلاً بمعنى من معاني الكلمة، ولكنه شتات من أجزاء متفرقة.»

سمات الكتابة

لا ينطلق (أوزو) في أفلامه من أرضية درامية مشابهة لدراما/‏ أرسطو بفواجعها، ووحدة أحداثها الزمنية والمكانية، ولا يتأثر كثيرا ًبالدراما الشكسيبرية، بذروة صراعاتها، وانعكاس ذلك على شخصياتها المتمزقة، فتبحث عن» أن تكون أو لا تكون»، وأيضاً لا يتشابه أبطال (أوزو) مع دراما تشيخوف بأبطالها السلبيين، فهو يعمل على دراما الحدث اليومي العادي جداً.

يعرف المخرج بلقب (Shomingeki). ولد في بيت من بيوت الطبقة المتوسطة، ويتناول موضوعاته وفق أهم مبادئ (الزن) وهي البساطة، ويبني تركيزه داخل البيت الياباني، مكرراً (ثيمة) زواج أحد أفراد الأسرة. وقد دافع عن نفسه في تكراره لنفس الثيمة، بقوله إنه «كالرسام الذي يستمر في رسم نفس الوردة مراراً، وتكرارا».

ومن أهم خصاص السرد الروائي الذي يتعمده مع كاتب سيناريو أفلامه (ك. نودا) هو تجنب تصوير الأحداث القوية دراميا، لصالح الزمن، حيث يتأمل سحر لحظاته، (Le Temps Faible) الدرامي الضعيف التي قد تمر أمام العين المتعجلة. فتقديم أكواب الشاي، والجلوس المستكين على الأرض، وتقديم الطعام بفرحة ونظافة، وغسل الأطباق، وتجهيز معدات المطبخ، والصمت الذي قد يزيد عن الكلام، كل ذلك من أهم ممارسات وتعاليم العبادة عندهم. ... المزيد

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا