• الأحد 02 صفر 1439هـ - 22 أكتوبر 2017م

سفر الانتظار

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 20 أبريل 2017

وحده كان يحلم أن الوجود يحمل في خفقانه البعيد شيئاً يمكنه التعويل عليه، فالحياة رغم مطباتها لكنها معجزة الأمل، ووحدهم الذين انتحروا قد قطعوا حبلها السري العجيب، من أن يلد معجزة في نهاية المطاف، لا أدري فلسفة الرب في أن تكون سعادة المرء في نهاية عمره وكأنها لحن خفيف لمقدم النعيم، أو همسة بأن الأجل قد دنا ويكمن خلف هذا الوجود ما يستحق أن يرنوَ له بشيء من الانتظار الحلو والترقب.

السابعة هنا بمطار الشارقة بعد رحلة مضنية لمسقط عدت سريعاً كولادة ريح عاصفة، جلست مثل الكولاج أرقب المارة العجلين الوجلين.. بضعة من الحسان نشرن عطراً خفيفاً ملأ الردهة الداخلية لصالة الانتظار.. الانتظار الذي يشج اللحظات الزمنية بسيف سيئ الحدة، لعله من الجميل في المطارات أنها تتيح للمرء استكشاف ذاتيته بعمق، فيرى انعكاسه في وجوه الآخرين المرهقين، والذين يحملون معاني متناقضة في وجوههم، فبين هؤلاء الناس متعددي الجنسيات بعض الذين خسروا أحبتهم وكل متاعهم بأوطانهم وجاؤوا هنا، بحثاً عن طريق للجنة الدنيوية، وآخرون سارقون وسياسيون منافقون ضاق بهم أفق التفاهم والتعايش في بيئتهم، خلفوا وراءهم هزائم أمة، وربما أجيال ستأتي لاحقاً، بحثاً عن قضية شخصية متناسين عن أنانية أن الأجساد فانية، بينما الأفكار ضد الموت.. لكن الحياة اليوم يا صديقي القارئ أكثر إغراء من القضايا الخاسرة.

سفر الدهشة والدم

عجوزان توكأ أحدهما على الآخر وراحت العجوز المسنة التى تسند جسدها النحيل على حبيبها أكثر إشراقاً من غض الشباب، فالخطوط المتعرجة في وجهها توحي عن حب ورضا عميقين، وكأنها تمتن للحظة التي جعلتها ترتق ذاكرتها في شال أبيض، شابته الحياه بصفرة يانعة ينام معطراً على صدر حبيبها الذي دهمته نعسة خفيفة، لكنه ظل ممسكاً يدها بدفء وقوة راسخين، لم الحب دوماً ينزوي في البعيد في زمن الخرس والدهشة؟ بينما نكرس كل ابتكاراتنا ومدهشاتنا ليحب الآخرون منجزنا لكننا في الواقع فارغون من الحب، نحن نحب هذه الدهشة العابرة لأنها تمنحنا شعوراً بالغرور وترضي السادية التي غذتها الرأسمالية وحب المال والسلطة، متناسين أننا ينبوع المحبة وبدء التكوينات المدهشة، هنا فقط، وأعني حرفياً في داخل أرواحنا تكمن المحبة الحقيقية، لأنها حقيقية ونابعة من الرب وليست إرضاء لكبرياء مسيطر، أو لحظة كِبر عابرة سهوب حقيقتنا، وحين تأتي تلك اللحظة قبيل لحن النهاية حين تمسك يد حبيبك برفق وقوة ستشعر وقتها فقط أن محبتك الخالصة والنابعة من سحر روحك هي ملاذك في رحلة البرزخ، فلتمسكوا أيادي من تحبون الآن حتى إذا ما رحلتم ربتوا على أكفكم برفق ومحبة وجالسوكم في مسامراتهم ورعشات الفقدان والوحدة.. امسك يا صديقي يدك الأخرى الآن.. ولا تغتر.

ظللت أحملق في الجالسين حولي وموسيقا الجاز تنساب عبر سماعة الأذن خالقة نوعاً من الفوضى بين الموسيقا وأصوات الأطفال الجوعى، أو هؤلاء الكهول الذين يلملمون طعامهم بين أسنانهم ظناً منهم أنهم يأكلون كل شيء، وبعض الشباب المقابلين راحوا ينظرون إليَّ بنوع من التساؤل المحموم، نعم محموم، فالجو صار أقرب للحرارة منه للبرودة، يمكننا رؤية ذلك جلياً في تلك النظرات، إن أسوأ شيء في هذا الوجود يا صديقي يكمن خلف نظرة، نظرة واحدة يمكنها حرق العالم، ونظرة أخرى ستعكس الوجود رأساً على عقب ولطالما أرّقني السؤال لماذا قتل قابيل هابيل؟ أترى ليؤسس لشرعية التناقض والدم، أم أنها خطة إلهية لم تتكشف بعد؟ عموماً دعك من هذه المغالطات الفلسفية التي لا يد لنا فيها، أنا فقط أتمنى أن يبعثني الرب وأحمل مكتبة ضخمة يمكنها أن تمنح الدفء والشبع للناس يوم القيامة، الكتب وحدها يمكنها أن تكون غذاءً للأرواح ولو شاء الله ومنحني مكتبة يوم المحشر سآتي بهابيل وقابيل وأدعهما يقرآن رائعة «هاروكي»، وأخبرهما بابتسامة مكتبية أن الشطآن ضاقت بنا بعد دمائهما، وأن العالم مسفوح النجيع بسبب حماقتهما في الهيمنة والسيطرة، أما كان لهما أن يدركا أننا في آثارهما؟! أما كان لك يا قابيل أن تحمل وردة وترش بعطرها على هابيل فتجيش الكينونة بمحبة غامرة تجعلني الآن في هذه اللحظة التي أكتب فيها عن خطئكما، أعنف الحب كحلقة مهيمنة على البشرية والموجودات جميعاً، بدل التحدث عن الدماء والحجر الذي فقد السمع والكلام وسكن بعد أن هشم جمجمة هابيل المسكين.

سفر الخروج

لحظة.. لحظة.. أحدهم كان يراقب عن كثب كل شيء، بينما علا صوت السيدة المهذبة في مكبر الصوت ينادي اسماً أزبكياً، أعتقد أن السيدة المناداة اسمها «زانيا» كانت تمط أرضية المطار في حقيبتها وينسل شعرها من خلف الخمار المبهرج بتخوم وأجواء لم أجربها بعد، أما صديقي اللاهث خلف أحرفي المجمدة هنا راح يوزع نظره بيني وبين زانيا، خلته سيقذفني بكوب القهوة الورقي حين التقت عيني بعينيه الشذرتين، لكنه تناول كرسياً من خلف الطاولة الأخرى وعبه بالورد وقذفه في وجهي، دون أن يشغل باله بالعواقب أو يتساءل من أين ستأتيه الطعنه، لأنه أدرك بقيمته الروحية أن كرسي الورد سيفتح مطار الشارقة على مصراعيه لكل احتمالات التناغم والتمازج كما هو الآن! إن ما يسفر عنه الحب يا صديقي دوماً مدهش حقاً حتى لو كان كرسياً من الورد، بينما علت موسيقا الراب في أذني لمايكل جاكسون «الرعب يهيمن على روحك»، وانطلقت الضحكة المجلجلة في نهاية المقطع لكنها كانت أشبه بحالة مفارقة ولم تثر خوفي كما توقع المخرج، بل طفت فوق كرسي الورد وتفتتت لبضعة ألوف من عطر «جان باتيست غرنوي» العجيب فهوى مطار الشارقة مقهقهاً خلف الغروب الخفيف والطيب صالح يتوسد المكتبة في البرزخ ناظراً إليَّ بتنافس وحب.

محمد عيسى جقدول

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا