• الجمعة 11 شعبان 1439هـ - 27 أبريل 2018م

كل ديانة تحولت إلى نسق جماعي مغلق تمثله مدونة رسمية

الدين الرسمي والتدين الشعبي

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 11 يناير 2018

عبد الجواد يسن

تاريخياً، لم تكن بنية الديانة تنطلق بوفاة المؤسس الأول، بل كانت تظل مفتوحة لفترة زمنية لاحقة، تتفاوت في طولها من ديانة إلى أخرى، حيث تسفر ممارسات التدين في الجيل التالي عن تراكمات إضافية تنضم إلى منطوق الديانة. في غضون هذه الفترة يجرى اعتماد الصيغة النهائية «للنص» الأصلي، وتستحدث صيغ «نصوصية» جديدة. وبنهايتها كانت الديانة تتحول عن خصائصها المبكرة ذات الطابع الشفهي والبسيط إجمالاً، إلى منظومة أو منظومات واسعة مكتوبة ومدعّمة بتأصيلات نظرية مركبة.

معنى ذلك أن كل ديانة لم تكن تمر بمرحلة تأسيس واحدة كما توحي المقولات المدرسية، بل بمرحلتين تأسيسيتين: «التدشين» ثم «التدوين» قبل أن تبدأ مرحلة «التجميد»، حيث تفرض الديانة نفسها ـ في صور مذهبية متعددة ـ كنسق تدين جماعي مغلق، تمثله مدونة رسمية فقه كلامية.

بدءاً من مرحلة التجميد تطرح المدونة الرسمية نفسها بوصفها النموذج المثالي للتدين على المستويين الفردي والجماعي، في العقيدة والطقوس، وتكاليف السلوك التشريعية. ولكنها ـ واقعياً ـ لا تستغرق المساحة الكلية «للثقافة الدينية» التي تتكون تلقائياً وبشكل تدريجي كي تتسع لتيارات وممارسات تشتغل على هامش المدونة أو تفكر من خارجها. بوجه عام تظل هناك مسافة مرئية أو غير مرئية، بين المنطوق الرسمي للمدونة وأشكال من التدين الصوفي، والتفكير الفلسفي إضافة إلى ممارسات التدين الشعبي الدارجة، يختزن التديّن الشعبي من جميع هذه الروافد، لكنه يتمثلها بطريقته الخاصة. وفيما يبدو منصاعاً في الظاهر لسلطة المدونة الرسمية، يحتضن مفردات متنوعة من التصوف والتفكير الفلسفي، ويفرز أنماطه الخاصة من التفكير العامي. وبفعل فرادته الاستيعابية وقدرته على التمثل، يفرض بصمته بحيث تتلوّن التصورات الشعبية في اللاهوت والفقه بالمعطيات المحلية الدارجة ومخزون الثقافات الموروثة من الماضي، وهي ثقافات متنوعة بحكم التنوع الجغرافي والتراثي.

فروقات

لماذا تبدو المسافة بين منطوق المدونة الرسمية وممارسات التدين الشعبي ظاهرة طبيعية متكررة؟ أو في عبارة مكافئة لماذا تعجز المدونة ـ دائماً، ورغم حضور الدوافع الإيمانية ـ عن فرض نموذجها حرفياً على الواقع؟ ... المزيد

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا