• الأحد 04 جمادى الأولى 1439هـ - 21 يناير 2018م

يحرضنا على عدم ترك التكنولوجيات الحيوية بأيدي الساسة والعلماء

فنّ عابر للجينات

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 11 يناير 2018

د. ام الزين بنشيخة المسكيني

يبدو أنّ التاريخ لم يعد من صنع الحكّام ولا الشعوب، بل آل اليوم إلى أيادي العلماء الذين يشتغلون في مخابرهم على إعادة تشكيل الخريطة العامة للجينوم البشري. لكن من منّا يعلم ما الذي يحصل تحديداً في مخابر العلماء وأيّ شكل من المستقبل يهيّئونه للنوع البشري؟ من منّا يهتمّ فعلاً إلى أنّ ما نأكله اليوم - مثلاً- إنّما هو نتاج تحويلات جينيّة على موادّ نباتية أو حيوانيّة قد تؤدي إلى تبديل عميق لهويّتنا الجينية الطبيعية؟ قليلون ربّما من غير المختصّين يعلمون مستقبل الجينوم البشري الذي يقع الاشتغال على تبديله وتحويله كلّ يوم، وقليلون من يفكّرون بالأسئلة الثقيلة حول شكل الحياة على الأرض، وبعلاقة هذه التكنولوجيات بالإيتيقا الطبية والمسألة الإيكولوجية عموما. هل نقول مع الفيلسوف الألماني هيدغر «إنّ العلم لا يفكّر» وإنّه علينا تدبّر شكل مغاير من السكن في العالم على طريقة الشعراء مثلا؟ أم نقول مع الفيلسوف الفرنسي أوغست كونت أنّ العلم هو «الدين الجديد للإنسانية» في عصر غصّ بالحروب الدينيّة ولم يعد يتّسع لعقائد جديدة؟ من بوسعه إذن أن يخبرنا عمّ تعدّه لنا التكنولوجيات الحيوية من اكتشافات طبيّة جديدة حول استنساخ لكائنات حيّة قد تؤدّي إلى تحويلنا إلى ضرب من المسوخ المخيفة، ومن بوسعه أن يفكّر في الحدود بين الإنساني والحيواني والنباتي في ضوء التكنولوجيات العابرة للجينات إذا استثنينا اعتراضات ونضالات الجمعيات والأحزاب البيئيّة ودعاة حقوق الحيوان؟

يبدو أنّ للفنّان منزلته الخاصّة في هذا السياق بما هو لم يعد يقتصر على اختراع الجمال أو تهذيب الأذواق، إنّما بوصفه قد صار يساهم في تشكيل الحياة أيضا على نحو مغاير في أفق نوع من النضال الإيكولوجي من أجل الدفاع عن مستقبل الحياة على الأرض. يتمّ ذلك اليوم بشكل دقيق ضمن الممارسات الفنّية التي تجد تعبيراتها الخاصّة فيما يسمى منذ تسعينات القرن الماضي بالفنّ الحيوي أو» البيو-آرت» (Bio-Art).

ما هو الفنّ الحيوي؟

إنّه أحد الاستتباعات الأساسية للتكنولوجيات الحيوية الجديدة من حيث أنّه يجد في حقل الحياة موضع ممارساته الفنّية المخصوصة. وهو فنّ يتنزّل ضمن البراديغم الثقافي العالمي الجديد الذي وجد في مفهوم «البيو» أي الحيوي تعبيرته الفلسفية النموذجية وذلك منذ دروس الفيلسوف الفرنسي ميشال فوكو حول «البيو- سياسي» (1978) إلى حدود مفهوم «الحظيرة الانسانية» للفيلسوف الألماني بيتر سلوتردايك (1999)، ثمّ «فنّ الذعر» للفيلسوف الإيطالي بول فيريليو (2000)، مرورا بكتابي «ألف مسطّح» للفيلسوفين الفرنسيين جيل دولوز وفيليكس غاتاري (1980) و«الحياة العارية»، أو «مجرّد الحياة» للفيلسوف الإيطالي جوجيو أغمبان (1995). وإنّ أهمّ ما نظفر به من هذا البراديغم هو الاستثمار في الحياة كحقل تفكير وحيد بوسعه أن يجعل الإنسانية ممكنة في المستقبل. بحيث لم يعد الفكر يشتغل على أسئلة ميتافيزيقية خاصّة بحقيقة الأشياء وبأصولها الأولى، بل ولدت أسئلة جديدة حول الحياة والطاقة والسرعة والصيرورات والمسارات.. وإنّ الفنّ الحيوي، إنّما ينخرط إذن ضمن التفكير بهذه الأسئلة الجديدة حول المسارات الممكنة لإعادة تشكيل الإنساني في ضوء الاكتشافات الجديدة الحاصلة في علم الوراثة، والتي جعلت من الجينوم البشري ورشة بحث مثيرة لا تنفكّ تزعزع كل يوم معارفنا حول أنفسنا، وتسخر من أوهامنا اللاهوتية التي جعلتنا نعتقد أنّنا أفضل الكائنات على الأرض، في حين أنّنا نشترك مع بقية الكائنات الحيّة في قسم كبير من إرثنا الجينيّ. وعليه ربّما لم يعد بوسعنا الاعتقاد في كوننا بشر بمعنى السموّ عن الكائنات الحية، نحن فقط أحياء وهذا وحده يكفي من أجل الدفاع عن نوع جديد من الإنساني في عصر «ما بعد انساني».

في هذا السياق يكتب الفنّان البرازيلي الأصل ادواردو كاك (Edouardo Kac) وهو أحد أقطاب الفنّ الحيويّ ما يلي: «إنّني اليوم وضمن ما نسمّيه بالفنّ العابر للجينات، إنّما اتّجه نحو تعبيرة ثقافيّة جديدة.. لقد أثّرت فينا التكنولوجيات الحيويّة عميقا.. إنّنا حينما نعلم أنّنا نتقاسم مع الكائنات الحيّة الأخرى قسما كبيرا من إرثنا الجينيّ، فإنّ ذلك لا يمكنه إلاّ أن يثير فينا تساؤلات عديدة حول هويّتنا كبشر». ... المزيد

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا