• الجمعة 11 شعبان 1439هـ - 27 أبريل 2018م

الطعام كمرآة لمجتمعاتنا

«مطبخ» الهويَّات

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 11 يناير 2018

د. هند السليمان

للطعام ولعلاقتنا بالطعام حكايات لا تنتهي. محاولة التعرف عليها هي محاولة للتعرف على ذواتنا وعلى التجارب التي خاضتها مجتمعاتنا. وفقاً للباحثين، بدايات ظهور المطبخ كانت منذ 500 ألف سنة، بينما استخدام النار كان منذ 79 ألف سنة. ما دلالة هذه الأرقام؟ وهل بدايتها تعني بداية تشكل مفهوم التجمعات البشرية وبالتالي نشوء «المجتمع»؟

وفقاً لعلماء الأنثروبولوجيا يعد ظهور «المطبخ نهاية مرحلة الاكتفاء الذاتي»، لما يتطلبه المطبخ من تعاون اجتماعي. عملية الطبخ تحتاج وقتاً للإعداد وللمراقبة، كما تحتاج لمن يقوم بإحضار ما سيتم طبخه، وتصنيع تجهيزات المطبخ وأدواته اللازمة للطبخ. لم تعد المسألة قطفاً والتهاماً فقط، بل عملية تستوجب تحضيرات. هذه التحضيرات تتطلب تعاون عدد من الأفراد. وجود هؤلاء الأفراد لتأدية تلك المهمة يتطلب تقسيماً للأعمال بينهم، وبالتالي عملية التقسيم ستمنح البعض امتيازات وفقاً لقدراتهم، وهذا سيخلق تفاوتاً تراتبياً يمنح البعض أدواراً قيادية، وآخرين أدوار أتباع. أليس هذا هو التنظيم الاجتماعي للمجتمعات الحديثة بشكله المبسط؟ ليتحول الطعام وفق هذا المنظار، إلى أحد تمثيلات السلطة ووسيلة للثروة وأداة للتداول، فوفقاً للأعراف زعيم القبيلة أو حاكم القرية هو على الأغلب من يمتلك أكبر مخزون من الطعام، ألم تكن الثروة سابقاً تحسب وفقاً لكمية الطعام التي يمتلكها أحدهم، بل إن العملة النقدية للتداول في ذلك العصر كانت أحد أصناف الطعام.

الطعام والتغير الاجتماعي

من هنا، أول تساؤل حول مجتمعاتنا يتعلق بمغزى وجود المجتمعات خارج مسألة تأمين الطعام والأمان لأفراد المجتمع. ليصبح السؤال: هل كان للأسرة وجود في شكلها الحالي لولا اختراع فكرة طبخ الطعام ومراحل إعداد الوجبات؟ هل للأسرة وجود أو معنى للوجود بلا مائدة طعام؟ بل إن نظرية التطور أشارات إلى تأثيرات أغذية معينة كأحد العوامل التي أسهمت بتشكل الإنسان الحالي ببنيته الذهنية والجسدية. وبالتالي يصبح للطعام تأثير فيزيقي لا على جسد الإنسان فقط، بل وعلى بنية الإنسان الفكرية والثقافية وبنية المجتمعات البشرية.

تأثير الطعام لا يكون فقط في علاقة الفرد بذاته وبعلاقته مع الطبيعة، بل إن التأثير يمتد إلى علاقة الأفراد بعضهم ببعض، ومن ثم يصبح الطعام فعالاً في عملية التغير الاجتماعي، باعتباره نسقاً من أنساق التواصل والتفاعل بين الأفراد في المجتمع. في هذا يرى سامي زبيدة «أن الطعام يعد علامة ثقافية بارزة حيال الحدود الاجتماعية، فقبل ظهور القوميات السياسية بمعناها الحديث، كانت هذه الحدود هي التي تميز بين الجماعات العرقية أو الدينية أو الجمهورية»، ليضيف «إن هذا التمييز عاد في العقود الماضية ليغدو معبراً عن أزمة الهوية داخل الدول الشرق الأوسطية الحديثة بشكل عام»، وبالتالي يصبح الطعام لا مجالاً للتفاعل الاجتماعي، بل وشكلاً للتعبير عن الهوية. فمثلاً، العودة المفاجئة لاستحضار الأطباق القديمة ومحاولات رصد وتذكر الطعام التقليدي الذي تم تجاهله، قد يكون مؤشراً لمحاولات إعادة إحياء الهوية «المتخيلة»، فكل هوية هي متخيلة بشكل ما. في المقابل رفض الطعام التقليدي والإصرار على الطعام العصري هي رغبة في نفض الماضي والانتماء الهوياتي للمستقبل. ألا نجد هذا الأمر يكثر بين المراهقين، حيث يرفضون تناول وجبات المنزل التقليدية مفضلين وجبات المطاعم سريعة الإعداد. مرحلة المراهقة هي أكثر مرحلة عمرية يواجه فيها الفرد أزمة هوية. ومن هنا ألا يمكن الاستنتاج أن المجتمعات ذات قائمة الطعام معدة بطريقة إعداد ثابته لا تتغير، مؤشراً على ثبات وربما جمود نسبي لتلك المجتمعات؟ ... المزيد

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا