• الجمعة 11 شعبان 1439هـ - 27 أبريل 2018م

نجوم الغانم تتقصى أحوال ورؤى حسن شريف بـ «آلات حادة»

الرحلة أهمّ من المكان

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 11 يناير 2018

إبراهيم الملا

«لا تبحث عن الماء.. ابحث عن العطش» قد تهيئ هذه المقولة الضاجّة بمغزاها العميق، مدخلاً مناسباً للانكشاف على فيلم نجوم الغانم الجديد «آلات حادة»، الموغل بانجذاب عاصف وحميمي أيضاً نحو الأدغال البصرية والأحراش الذهنية المحيطة والمتداخلة مع أعمال وأفكار وتجارب الفنان الراحل حسن شريف، إيغالاً يتطلب الكثير من الصبر والتأمل والانشداه والمجاراة والذوبان داخل هذا الحقل الهائل من التصورات الغزيرة، والاعترافات الجامحة، والرؤى التحطيمية، والأخرى الإشراقية، التي يعرضها حسن شريف في الفيلم بجرأة وصرامة، وبصيغة تهكمية وخادعة أحيانا، خديعة تبرّر السخرية المرّة من الحياة ذاتها، الحياة المترنحّة والثملة والدائخة حدّ اليقظة الأخيرة أمام مشهدية الفقد والغياب، خديعة مماثلة لوقوف الفيلم نفسه على البرزخ الفاصل بين وجود الفنان المشتبك آنيا مع الصورة كروح وذاكرة، وبين غيابه الأكيد والقاطع كحضور وجسد.

يخترق فيلم «آلات حادة» الحدود الافتراضية بين التوثيق كبرهان على حالة مضت، وبين التقاط اللحظة الحية، والعيش فيها، وتلمّس تفاصيلها الحارة والطازجة بين أيادينا وعلى مرأى منّا، هي لحظة ديمومة متواصلة، وومضة تأثير متوهّجة لقامة فنية عالية وشائكة مازالت تعمل وتنتج على المستوى الذهني والتوثيقي وتغري المعنيين بالفن لملء فراغات نقدية كثيرة فيها وحولها، ومازالت تبتكر مساحات ثرية من الجدل والسجال والمداولة الفكرية والمعرفية لتحولات المشهد التشكيلي المعاصر محلياً وعربياً وعالمياً.

شخصية إشكالية

في هذا المناخ الإشكالي حول شخصية إشكالية وغير تقليدية شهدت كفاحاً فنياً مريراً ونضالًا فكرياً طويلًا، تجول كاميرا نجوم الغانم وسط مرئيات ناطقة داخل ورشة حسن شريف بمنطقة البرشا في دبي، تتحرك الكاميرا أفقيا في المكان، وعمودياً في خيالات صاحب المكان، وكأنها تقدم سرديات بصرية لا فكاك من سطوتها وغوايتها، خصوصا وأنها تترافق مع بوح الفنان نفسه، بوح متمهل واستعادي، شائق وشاهق، تصدّره مراجعات ذاتية وحكايات طفولة بائسة حسب وصف حسن شريف لها وأسفار ومغامرات حسّية وصداقات وتجاذبات مع نقاد وفنانين وأدباء وشعراء لم يقرأ لهم، بقدر ما قرأ حيواتهم، وقرأ الشعر في مسلكهم وجنونهم وعبثهم، وهكذا لم يكن حسن شريف ميّالا للاستعارة والتجريد ولا للشرح والإفاضة، كلماته كانت مختصرة وخاطفة ومكثفة ولكنها تمتد إلى أقاص وأوقيانوسات وفراديس ومديات معذّبة بدت أكبر من مجرّد حياة عابرة نعيشها لمرة واحدة، وفقط، حياة زئبقية ثقيلة ومتسرّبة وخدّاعة، ولا تخلو كذلك من فواصل واستراحات، تنمو فيها البهجة، وتتناسل في غيماتها أقواس قزح.

ثمة موسيقا هنا تؤجج فضاء العمل الفني الذي يقدمه حسن شريف بشهية عارية من كل تزويق وتزيين وزخرفة، موسيقا اختارتها نجوم الغانم بعناية انسياقا مع التكرار والمداومة والطرق والإيقاع الشبيه بسقوط حبات مطر على شرفات صامتة، وهي العناصر والإيقاعات التي تشكل جوهر تجربة حسن شريف، تجربة تقع تحت انتباهة عين واستفاقة فكر ومكابدة يد. ... المزيد

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا