• الأربعاء 24 ربيع الأول 1439هـ - 13 ديسمبر 2017م

أسرع من صعد سلم المجد في العالم

بي دي بانو.. قاهر المستحيل

حجم الخط |


تاريخ النشر: الجمعة 21 أبريل 2017

أمين الدوبلي (أبوظبي)

عندما كان مارسيو بي دي بانو كروز في سن السابعة تعرض لحادث غيّر مسار حياته الشخصية والرياضية، فقد انفصل والداه، وهو في هذه السن، وغاب والده تماماً عن المشهد، وانتقلت به والدته إلى منزل جده في ريو دي جانيرو الذي كان مزدحماً بمن فيه، فوالدته لها من الأخوة والأخوات سبعة، بالإضافة إلى جده وجدته.. كان بي دي بانو حساساً للغاية، وتعرض لصدمة هائلة في هذه السن المبكر نتيجة للخلافات بين والديه، ولما انتقل إلى بيت جده كانت الصدمة أكبر، فقد كان كل من بالبيت يعاملونه بقسوة، لعلهم يريدون أن يصنعوا منه رجلاً صلباً، أو لعلهم يريدون معاقبة والده في شخصه، ولكن هل هناك طفل في هذه السن يمكن أن يتحمل أخطاء والده؟

كانت والدته تخرج للعمل في الصباح، فلا تعود إلا في الساعات الأخيرة من الليل، لتوفير نفقات المدرسة والمأكل والملبس له ولأخيه، ولذا لم يكن يراها كثيراً، في الوقت الذي اختفى فيه الوالد عن المشهد تماماً، غاب فغابت عن الأسرة الحماية والثقة والضمان والسند، وغابت الأم لانشغالها في العمل، فغاب المعنى الحقيقي للأسرة ومعها غاب الدفء والحنان، ولم يعرف بي دي بانو التدليل في حياته منذ الصغر، إلا من والدته في أوقات محدودة للغاية، لم ير الابتسامة، ولم يكن كما يريده المقربين في الدراسة، فكانت أزماته كثيرة في المدرسة، لأنه نتاج تجربة قاسية، ولأنه لا يجد وقتا كي يجلس فيه مع نفسه، ولم يجد والداً يؤثر في صناعة شخصيته ويحدد له أهدافه، ولم يجد سنداً يحميه من الآخرين.

يقول بي دي بانو إن حياته لم تكن طبيعية، وإن أمله في الحصول على بيت والاستقلال مع والدته وأخيه كان يكبر معه في كل يوم، وتابع: المصدر الوحيد لتحقيق الأمل في حياتي هو قناعتي عندما أفكر بأن الغد لابد أنه سيختلف، وأنه مهما رأى في حياته من صعوبات ومعاناة لن أرى قسوة مثل التي أعيشها، فكنت على ثقة أن الحاضر سينتهي، وأن المستقبل سيكون مختلفاً، وأنه لا يجب أن أترك اليأس يدمر حياتي، برغم أني كنت أفكر أحيانا بأني تربة خصبة ومهيأة للإصابة بأمراض على شاكلة الاكتئاب والانفصام في الشخصية وغيرها.

وسط هذه الملابسات والظروف الصعبة تكونت شخصية المتمرد داخل بي دي بانو، كانت تكبر معه كلما تقدم عمره، تقدم في السن عاماً كان يزيد شعوره بالرفض للواقع المؤلم الذي يعيشه، فكان لا يطيع أحداً باستثناء والدته، وكان يرفض سطوة مدرسيه، كان يرفض الإملاءات أياً كان مصدرها، بل ويقف ضدها، كان عنيداً في التحدي. ويقول بي دي بانو أسطورة الجو جيتسو والألعاب القتالية، إنه لم يتذكر أنه ابتسم مرة في حياته، من السابعة وحتى الثامنة عشرة، ولم يتذكر أن يكون قد شعر بالأمان، وأنه وسط هذه الظروف بدأ يمارس رياضة الجو جيتسو في سن الثامنة عشرة من عمره.

كانت البداية متأخرة للاعب يريد أن ينظر إلى المستقبل، وأن يصنع مجداً وتاريخاً في الرياضة، ولكن بانو كان قوياً في بنيته البدنية، عنيداً في شخصيته، متهوراً في غضبه، وقد عالجت الجو جيتسو فكرة التهور في شخصيته، فهذبتها وجعلته يعرف كيف يكظم غيظه؟، وكيف يروض عصبيته؟، ويتحكم في انفعالاته، وكان يهرب من المعاناة والآلام في حياته إلى الجو جيتسو، فقرر أن يكون بطلاً عالمياً في تلك الرياضة، وأن يعوض كل مشاعر الحرمان وألم الحاجة من خلال تلك الرياضة، وكان يتدرب مرتين يومياً، ويتطور كل يوم، لأنه كان أول من يذهب لحصة التدريبات، وأخر من يغادر البساط، كان لا يتألم كثيرا عند الخسارة لأنه يعلم أنها واردة، ولكنه كان يكرهها، ومع الجو جيتسو بدأت الثقة تدب في حياته، وبدأ يشعر ببعض الرضا عن نفسه.

ويقول بي دي بانو الذي جاء إلى عالمية أبوظبي ضمن الأساطير للاستعراض أمام منافسه العنيد جابريل نابو كونزاجا، إنه ليس من السهل أن تدخل رياضة وأنت تخاف من كل شيء حولك وتقلق من كل شيء، فتجد نفسك بعد أيام هادئاً رصيناً، وليس من السهل أن تنظر لشخص قوي البنية طويل القامة، وانت تتخيل أنه يملك كل فرص الفوز عليك، ثم تجد نفسك بعد شهرين أو ثلاثة تهزمه في كل مواجهة، وليس من السهل أن تهزم القلق وتنتقم من الخوف، وتقهر التوتر بعد أسابيع، غنها قيمة الجو جيتسو في حياة الإنسان بحسب بي دي بانو.

ويؤكد بانو: لأنني بدأت تلك الرياضة متأخراً في منتصف التسعينيات، لم يكن أمامي خيارات أخرى، وكان الفوز فقط هو شعاري، فكنت أتطور كل يوم، وحققت ما يمكن أن يقال عنه المستحيل في تلك الرياضة، فلم أمكث أكثر من 4 سنوات حتى تجاوزت الحزام الأبيض للأزرق، ومن الأزرق حصلت على بطولة العالم، فتم ترفيعي إلى الحزام البنفسجي، فحصلت على بطولة العالم فيه في أقل من عام، وفي عام 1998 صنعت المستحيل بعينه، حيث إنني في أول العام فزت ببطولة العالم في الحزام البنفسجي، وفي منتصفه تم ترفيعي إلى الحزام البنير ففزت ببطولة العالم بريو دي جانيرو بعد شهرين من ترفيعي، وفي نهاية هذا العامر كنت أحقق أول فوز ببطولة البرازيل في الحزام الأسود، إن هذا الكلام ليس منطقياً لكنه حدث معي.

ويضيف: عندما بلغت سن الـ 21 عاماً كنت أمضي بثقة إلى طريق المجد ولكن والدتي فقدت عملها، وأخي الأصغر تواجهه معوقات في تعليمه، وكنت قد رزقت بولد من زوجتي، فزادت الأعباء علي، حيث كان من واجبي أن أقوم بدوري كعائل لكل هؤلاء، لكن العام التالي شهد الجسر الذي عبرت عليه من الآلام للأحلام، وكان نقطة الانطلاق في مسيرتي، حيث وجدت راعيا لي في الرياضة، ساعدني في توفير الحياة الكريمة، ونجحت في الحصول على بيت لي ولأمي وأخي، وبدأت أركز في تدريباتي، فحصلت على بطولة العالم في الحزام الأسود في هذا العام، وفي نهاية العام، تحولت إلى الولايات المتحدة الأميركية لأعلم الجو جيتسو، ونصحت أخي بأن يمارس تلك الرياضة، لأنها ستغير حياته، وفي ولاية فلوريدا تحديداً بدأت حياة جديدة، وواصلت إنجازاتي، وأسست مدرستين لتعليم الجو جيتسو وأصبحت لي مشروعاتي، لكني لن أنسى أن بطولة أبوظبي التي أقيمت عام اسم «كومباكت جيم» عام 2001 كانت أول بطولة أحصل منها على مبلغ مالي كبير يساعدني في حياتي، ولن أنسى أنني مدين لهذه المدينة الجميلة التي ساهمت في تغيير حياتي، والتي أعود إليها بعد 16 عاماً، وأنا أحمل لها بين جوانحي ذكريات طيبة.

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا