• الجمعة 07 ذي القعدة 1439هـ - 20 يوليو 2018م

أصبحت صناعة موجهة للتأثير في الرأي العام

الأحكام المسبقة.. أعطاب فكريَّة

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 12 أبريل 2018

سعيد البوسكلاوي

تمنعنا أحكامنا المسبقة من خير كثير، فقد تمنعنا من قراءة كتاب، أو اكتشاف ثقافة، أو سفر إلى مكان، أو تعرّف على إنسان. إنّها تمنعنا من فهم الآخر وتفهمّه، ومن ثمّ فهي تحرمنا من الوعي بالذات والرقيّ بها في مسالك الفهم والأنسنة والتعايش والسعادة.

نادراً ما ينتبه المرء، في زحمة الحياة، إلى أنّ كثيراً ممّا يصدره من أحكام على غيره هي أحكام غير مؤسّسة، تكتسي وجودها وشرعيّتها، في الغالب، من سلطة الجماعة وثقافتها التي تقدّمها إليه حقيقة جاهزة. وإذا حصل أن انتبه إلى غلوّ رأيه، تجده يسرع إلى البحث عن مسوّغات تبرّر إمعانه في حكمه. بل إنّه قد لا ينتبه إلى وجود هذه الظاهرة البشريّة أصلا، إلا عندما يكون موضوعا لها، إذ يدرك أنّ الأمر يتعلّق بآراء خاطئة، وغير مسنودة، يطلقها عليه الآخر بغير وجه حقّ. آنذاك فقط يحسّ بثقل الموضوع وخطورته؛ فإمّا أنّه يتعلّم الدرس بالتجربة الحيّة، فيعيد النظر في بعض مواقفه وتمثّلاته المسبقة، أو يتّخذ، موقفا أكثر تطرّفا، حسب استعداده ومزاجه النفسيّ والثقافيّ والظروف المحيطة به وبالجماعة التي يعيش في كنفها. فما طبيعة هذه الأحكام، وهل من سبيل إلى التحرّر منها أو التخفيف منها على الأقلّ.

ماهيّتها

يعني فعل «حكم»، في لسان العرب، قضى وفصل في أمور تخصّ الفرد أو غيره. والمسبق يعني، ببساطة، أنّ الحكم وليد انطباع أوّليّ أو تكرار لحكم عامّ موجود سلفا وغير مؤسّس. وعليه، فالأحكام المسبقة تنبني، بالأساس، على الجهل بالموضوع، جزئيّاً أو كليّاً، وعلى تعميم غير مشروع للجزء على الكلّ. بل إنّها قد تتضمّن نوعاً من التحامل (العنصريّ أو الجنسيّ أو الدينيّ أو غيره) والتنقيص من الآخر. غير أنّ الحكم المسبق قد يكون إيجابيّا أيضا، وقد يحمل على الذات كما على الآخر. وقد يكون نفعيّا، كما قد يكون فرديّاً أو جماعياً، بريئاً أو عدائيّاً، رمزيّاً أو ماديّاً. وأكثر من ذلك، فقد يكون غير منظّم، كما قد يكون منظّما في إطار أعراف وقوانين؛ وفي الحالة الأخيرة يكون أخطر لمكان ما تمنحه له المؤسّسة من قوّة على التنفيذ والانتشار، وما توفّره له من حماية.

ولا أحد يمكنه أن يزعم أنّه بمنأى عن هذه الأحكام! فهي تشكّل عند عامّة الناس عنصرا حيويّا، مثل الهواء والماء، وتتّخذ عند المثقّفين والسياسيّين أشكالا شتّى، تضفى عليها صبغة شرعيّة مثل «الرأي العامّ» والإجماع والتقاليد وغير ذلك. ولعلّ أهمّها ما قد يصدر عن مفكّرين وفلاسفة، رغم أنّهم أكثر حرصا أو ادّعاء أنّهم كذلك: فابن رشد الأندلسيّ في سياق التمثيل للبغض يقول، على سبيل المثال: «البربر يبغضوننا ونبغضهم»، ويصف إيمانويل كانت Kant الإنجليز بأسوأ النعوت؛ وكذلك يفعل بعض المستشرقين بالإنسان الشرقيّ وبعض الشرقيّين بالإنسان الغربيّ أو الإفريقيّ أو غيره. فالأحكام الجاهزة والانطباعات المزاجيّة والاجتماعيّة والثقافيّة والانفعالات السريعة هي العائق الأوّل في كلّ معرفة تروم الموضوعيّة. فليس بمقدور المرء، مهما ارتقى في المعرفة العلميّة، أن يتحرّر من جميع أحكامه المسبقة، الثقافيّة منها والمعرفيّة، فبعضها مغروس وثابت في طبعه، ومن ثمّ فإنّه يحتاج إلى بذل مجهود أكبر من أجل التخلّص منها؛ ولا يكفي العلم، بل يحتاج إلى خبرة وسفر ومعايشة الناس في محطّات وأمكنة وثقافات ولغات مختلفة.

فمهما ارتقى المرء، أو توهّم أنّه يرتقي، في مدارج العلم وتجربة الحياة، يظلّ مثقلاً بحقائقه الشعوريّة الفرديّة والجمعيّة «المطلقة»؛ وذلك لسبب بسيط هو أنّه لا يضعها، أو بعضها على الأقلّ، موضع فحص أو شكّ أصلاً. والأمثلة كثيرة وقريبة من أنوفنا؛ يكفي أن ينتبه أحدنا إلى أحكامه اليوميّة على الآخرين، فيجد كمّا هائلاً منها. فكم من أحكام خاطئة نصدرها، في بادئ الرأي، محكومين بخبراتنا «الصغيرة» وأمزجتنا «الكبيرة» و«حقائق» أهلنا وجماعتنا. ... المزيد

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا