• السبت غرة رمضان 1438هـ - 27 مايو 2017م

ليست آهات ودموعاً وبكاء على الأطلال

الرومانطيقية الفرنسية غيّرت وجه العالم

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 18 مايو 2017

هاشم صالح

يرى الناقد الفرنسي الكبير بول بينيشو أن المدرسة الرومانسية أو الرومانطيقية ليست فقط آهات ودموعاً وبكاء على الأطلال على عكس ما نظن. وإنما هي حركة أدبية وفكرية، بل وسياسية ضخمة غيرت وجه العالم. يكفي أن نذكر هنا أسماء الشعراء الكبار للرومانطيقية الفرنسية كجيرارد دو نيرفال، وفيكتور هيغو، ولامارتين، ودو فيني، وألفريد دو موسيه، وآخرين عديدين لكي نتأكد من ذلك. يكفي أن نذكر اسم شاتوبريان أستاذهم جميعاً لكي ندرك ما نقول. وينبغي بالطبع أن نذكر اسم جان جاك روسو أستاذ شاتوبريان والجميع لكي تُفهم فكرتنا على حقيقتها. فهو مدشن الحساسية الرومانسية في الآداب الفرنسية والعالمية، وأية حساسية! كان روسو يغلي غلياناً، يذوب ذوباناً، حباً وعشقاً وهياماً. ولكنه في الوقت ذاته كان المنظر الأكبر للعصور الديمقراطية والسياسية الحديثة. هل كان روسو رجلاً منفصم الشخصية؟ هل كان منقسماً على نفسه؟ من دون شك. ولذا استطاع أن يجمع في شخصه بين رجاحة العقل وعبقرية الفكر من جهة، وشطحات الجنون الرائع من جهة أخرى. كان يقبض على الماء والنار في آنٍ واحد. ولذا فينبغي أن ندرس هؤلاء الشعراء ليس فقط من الناحية الفنية أو الجمالية، وإنما أيضاً من الناحية الفكرية والإيديولوجية والسياسية.

ظهر الشعراء الرومانطيقيون في القرن التاسع عشر، أي بعد زلزال الثورة الفرنسية وأحداثها الضخمة. بمعنى آخر فإنهم شهدوا احتضار العالم القديم وولادة العالم الجديد على أنقاضه. وهنا تكمن أهميتهم وعظمتهم. فقد انعكست كل هذه الأحداث الكبرى على أشعارهم ولونتها بألوانها وأثرت عليها. لكي ندرك الأمور جيداً ينبغي أن نموضعها ضمن إطار واسع.

صراع العلمانية والدين

تقول الأطروحة الكبرى للناقد الفرنسي ما يلي: لقد تشكلت بين عامي 1760- 1850 سلطة روحية علمانية تنافس السلطة الدينية المسيحية الكهنوتية. وقد استطاعت الحلول محلها تدريجياً بعد الثورة الفرنسية، وكان ذلك يعني استهلال عهد الحداثة. وقد لعب الشعراء(وليس فقط الفلاسفة) دوراً كبيراً في هذا الانقلاب على الماضي الأصولي للقارة الأوروبية. وبالتالي ففيكتور هوغو لم يكن شاعراً فقط بالمعنى الغنائي والفني العذب للكلمة، وإنما كان أيضاً مفكراً وسياسياً منخرطاً في هموم عصره وقضاياه. ومعلوم أنه كان ضد الكهنة والمطارنة والخوارنة الذين يمثلون حزب الرجعية والجمود في نظره. ولكنه لم يكن ضد جوهر الدين أبدا ولم يكن مادياً ملحداً. كان مؤمناً بالله إيماناً عميقاً. كل ما في الأمر هو أن إيمانه كان غير إيمان عامة المتدينين والإخوان المسيحيين التقليديين. ومعلوم أن أوروبا كانت محكومة سابقاً من قبل الكنيسة المسيحية التي تستمد هيبتها وسلطتها من النصوص الدينية. وكانت هيبتها فوق هيبة الملوك، ولا يتجرأ أحد على مسها أو نقدها.

ثم جاء عصر النهضة وابتدأ الفلاسفة والأدباء ينتقدونها ويكشفون عن نواقصها وعيوبها، أو قل نواقص رجال الدين بالدرجة الأولى وانحرافهم عن المبادئ المثالية للدين. وازداد الهجوم عليها في القرن الثامن عشر: أي عصر التنوير. ثم استمر الهجوم متصاعداً في القرن التاسع عشر، حتى انتصرت هذه السلطة الروحية العلمانية على السلطة الكنسية اللاهوتية للأصولية المسيحية. وهذه هي أكبر ثورة تحصل في التاريخ البشري. وبناء عليها تم تشكيل نظام الحداثة الذي نعرفه والذي يسود أوروبا وأميركا الشمالية حالياً. ولكنه تطرف الآن في الاتجاه المعاكس للأسف الشديد وأفرز كل أمراض الحداثة من إباحية وشذوذ لا يعرف الحدود.

ما الذي قاله فلاسفة الرومانطيقية الكبار إذا ما أخذنا كلمة رومانطيقية بالمعنى الفلسفي العميق والواسع للكلمة؟ قالوا إن رجال الدين المسيحيين يضحكون على البشر؛ إذ يقولون بأنهم يتصلون بالسماء أو يحكمون باسم الله. فالواقع أنهم بشر يحكمون باسم مصالحهم الخاصة ويخدمون مصلحة النظام الإقطاعي الاستبدادي الأصولي القديم. وبعضهم من أغنى الأغنياء. ... المزيد

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا