• الخميس غرة محرم 1439هـ - 21 سبتمبر 2017م
  01:43     اكثر من مئة مفقود قبالة سواحل ليبيا بعد غرق قارب    

تفضَّل أيُّها الـ غ ر يـ ب

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 18 مايو 2017

عماد فؤاد*

ها أنا أخسر للتوِّ دوراً تاريخياً في الشّطرنج، وهو ما سيجعلني أحتفي بخيبتي معكَ، وأدعوك إلى فنجان من القهوة لتستريح قليلاً. جفّف عرقك وتعالَ لتسترخي. من أين جئتَ؟ وإلى أين تذهب؟ سامحني على فضولي وأسئلتي الكثيرة، فكما ترى، صرتُ هَرِماً في الحادية والثمانين، لا أجيد شيئاً قدر إجادتي للثرثرة مع العابرين الطارئين، الذين يضطرّهم التعب والمطر الغزير إلى أن يستريحوا قليلاً في مقهانا العتيق، مثلك هكذا.

أنا..؟! أنا مجرّد رجل ضئيل الحجم كثير الابتسام، يضحك على أيِّ شيء يراه في هذه الأزمان العجيبة، اسمي؟ أومير ڤانهيه، ولدت في قرية صغيرة بالقرب من هنا اسمها «مورسيله»، خلف هذا الميدان الذي يقابلنا، هاااا.. متى ولدتُ؟ يا الله! منذ زمن بعيد يا رجل، فأنا أكبرك بما يزيد كثيراً عما تبقَّى لك من عمر، هاهاها... لا تؤاخذني يا صديقي، والعمر المديد لك، أراك شاباً وسيماً إن لم تكن عيناي الكليلتان تخدعانني، ويبدو لي من رشاقتك أنَّك تحافظ على صحة جسمك وقوة عضلاتك، مؤكّد أنّكَ لا تدخّن مثلي، سامحني، أحببت التدخين مذ جنّدوني في الحرب. كنت في العشرين حين اقتحم جنود هتلر قريتنا الصغيرة وأخذوني معهم لأعمل في مناجم الفحم الألمانية، وهناك.. تعلَّمت التدخين هرباً من تعلّم الصبر على الجوع. لكن اطمئن، لديَّ الآن ثلاثة أبناء رجال لا يدخّنون مثلك، يصرّون على أن يموتوا أصحّاء، وأحمد الله على ذلك. فأنا أدخّن مثل رجل تركي، وأنتَ – وإن تبدو لي صغيراً بعد على هذه المهمّة - هل لديك أطفال؟!

هممم.. استنتجتُ ذلك، وأقسم لك، منذ النظرة الأولى وجدتك شاباً أكثر من أن تكون رجلاً، أقصد ما زلتَ صبياً بعد، لا أعرف، أرجو ألّا تسيء فهمي يا صديقي، فأنت رجل بالطّبع، لكنّني أقصد أنّك لا تزال تراوح في هذه المنطقة الوسطى التي لا تبين بين الفتوّة والرجولة، سامحني أيُّها الغريب، هل تعجبك القهوة.. أم تريد مزيداً من السكَّر؟ أنا أشربها دون سكّر منذ ستّين عاماً، أحبّها مُرَّة، تذكِّرني بأيّام فتوّتي حين كنتُ صبياً يسرق السّجائر من حُرّاسنا الألمان، لندخّنها في استراحة القهوة ظهيرة كلّ يوم، جيلك ربّما قرأ عن هذه الحروب، طبعاً، فهم يدرِّسونها لكم في المدارس ويجمِّلون من أحداثها، لتصير في نفوسكم موضع فخر، بدلاً عن العار الذي نجرجره خلفنا نحن الشيوخ، مؤكّد أنك تعرف، لكن المعرفة دون رؤية تظلّ منقوصة يا صديقي، أولادي أيضاً لا يفهمون، أصبحوا رجالاً وأنجبوا الأولاد والبنات وصار لديهم حفنة من الأحفاد الصغار، ورغم ذلك لا يفهمونني، ربّما تكمن المشكلة فيَّ، فهم معذورون.. ولدوا بعد انتهاء الحرب، كنّا بدأنا نشمّ الهواء حرّاً من الأدخنة الناتجة عن القنابل والصواريخ، وننعم بالنّوم بعد خمس سنوات كاملة من الفرار تحت السماوات العارية إلا من هدير الطائرات. المحظوظون مثلك، ولدوا قبل أن يشاهدوا مفرمة اللحم والدّم التي صنعناها بأيدينا، لنلوّث بها العالم.

أعميتُ عيونكَ بهذا الدّخان؟! سامحني.. انتقل هنا يا صديقي. تعال إلى مقعدي، وسأنتقل إلى مقعدكَ. هكذا لن يضايقكَ دخان سيجارتي. الرّيح هي السبب، اللعنة على الريح. حين كنتُ أدخّن الغليون قبل عدّة سنوات لم أكن أضايق أحداً، كلّ من حولي كان ينتعش من رائحة التبغ الخاصّ الذي كنتُ أدخّنه آنذاك. الآن، أنفخ طيلة اليوم دخّان هذه اللفافات الحقيرة البيضاء، ليتأفّف منِّي ومن رائحتها الجميع. أنتم أجيال تستحقّ الشفقة والله، مرفّهون وأغبياء. سامحني على صراحتي، فهكذا أداعب أبنائي وأحفادي حين يزورونني في عطلات الأسبوع، أسخر منهم لأضحكهم، وأنا أعرف أنّهم يشتمونني في سرائرهم، بالضبط مثلك الآن، لكن لا بأس، ربما تشفع شيخوختي لي، فكما تعرف.. يصبح الشيوخ أطفالاً كلَّما كبروا.

* * *

هكذا كان. تعوّد أن يتخذَّ من نفسه مسافة كي يرى، وتعلَّم كيف يبتعدُ عن الصورة ليحيط بها كاملة، قبل أن يقترب خطوة وراء خطوة، ليدقِّق في التفاصيل، ليتتبَّع الخطوط وضربات الفرشاة وتحرُّش اللون برفيقه اللون، فيغلبه أو ينغلب. علّمته الأيام أن يبتعد كي يثبت حضوره، ويحضر كي يعرفوا طعم الغياب. كان أوَّل من أضحكني من قلبي حين جئت إلى هذه البلاد. هو الرَّجل الرّبعة، النَّحيف، الضحوك، ابن النكتة الذي خاض حرباً كاملة وسيجارته مشتعلة بين شفتيه. عروق كفَّيه تتلوى منتفخةً بين تجاعيد أصابعه العشرة، وهي تستريح فوق انحناءة عصاه الملتوية التي يتوكّأ عليها حين يسير. بزَّته العُمَّالية الرمادية ذكَّرتني بسبعينيّات القرن الماضي. ذقنه الحليقة، غليونه المهمل الذي ما يزال يحتفظ برائحة التبغ المدوِّخة القوية، وعيناه اللتان تلمعان بقوة في ضوء النهار. حركة يده المتمهِّلة، الصبورة، المتأنّية، وهي تمتدّ في المسافة الضئيلة بين عصاه وفنجان قهوته الساكن على الطاولة، كلّها أشياء كانت تدفعني إلى التّفرس طويلاً في تفاصيل المشهد أثناء حدوثها، كأنّها أفعال استثنائية، تأتي من عالم آخر أو من زمن لم أعشه، فيما ضحكته ترنُّ في بهو بيته الريفيّ وهو يصبّ لي فنجاناً من القهوة، فأصحو من شرودي على ابتسامته وهو يغمز لي بعينه مشيراً إلى مكعَّبات السكَّر: «قليل من السّم الأبيض يا صديقي؟». ... المزيد

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا