• الخميس غرة محرم 1439هـ - 21 سبتمبر 2017م
  01:43     اكثر من مئة مفقود قبالة سواحل ليبيا بعد غرق قارب    

«لا تستسلم».. .. قصَّتي مع البشر والسرطان «4 ـ 5»

أيّام الكويت و«جرائم الإخوان».. ومركز الدراسات

حجم الخط |


تاريخ النشر: الجمعة 19 مايو 2017

تناولت الحلقة الماضية المرحلة الإعدادية والثانوية من حياة المؤلف، وكشفت عن جوانب كثيرة من حياته بالتزامن مع قضايا مجتمعية وسياسية محلية وعربية، وفي هذه الحلقة نواصل الحديث عن دراسته في المرحلة الجامعية وما بعدها، مروراً بمحطات فاعلة ومؤثرة.

تكشف فترة وجود جمال السويدي في جامعة الكويت عن علاقة حميمية وأكاديمية مع أساتذته، ومنهم: الدكتور سيد نور، والدكتور عز الدين فودة (رحمه الله)، والدكتور فيصل السالم، والدكتورة نورة الفلاح، والدكتور هاشم بهبهاني (رحمه الله)، والدكتور سليمان الشطي، والدكتور شملان يوسف العيسى الذي تأثر به كثيراً، وتطورت العلاقة بينهما من علاقة طالب بأستاذه إلى صداقة وطيدة، شخصية وأسرية، زادتها الأيام قوة، وتواصل التعاون العلمي بينهما حتى الوقت الحالي، ونفَّذا كثيراً من المشروعات البحثية المشتركة في وقت مبكر، وكان المقترح الأوليّ الذي عرضه المؤلف على صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، حفظه الله، لإنشاء مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية، قد شارك في إعداده الدكتور شملان العيسى.

النادي الفني

آنذاك تركزت اهتماماته على الأنشطة البحثية والفكرية، حتى أنه خلال العامين الأخيرين من دراسته الجامعية كان يتردد كثيراً على «النادي الفني»، كما شارك العام 1979 في تظاهرة ضد معاهدة السلام المصرية الإسرائيلية، ومارس نشاطاً كبيراً من خلال انضمامه إلى «جمعية العلوم السياسية» التي كانت واسعة التأثير، كما كتب بانتظام مقالات في مجلة «المنبر الحر» الصادرة عنها، تحت عنوان «مذكرات فقير ذهب إلى لندن». وفي العام 1980 نظمت الجامعة رحلة إلى تونس، شارك فيها ضمن عدد كبير من الطلاب والطالبات، وعنها يقول: «كانت الرحلة إلى تونس ثريّة بالخبرات واللقاءات المهمة، فقد التقينا الشاذلي القليبي، الذي كان أميناً عاماً لجامعة الدول العربية آنذاك بعد نقل مقرها من مصر عقب معاهدة كامب ديفيد، كما التقينا الراحل محمد مزالي، رئيس الوزراء التونسي آنذاك، وكانت النقاشات خلال لقاءاتنا قوية وصريحة».

حرب الأربعين عاماً

غير أن أهم ما ميَّز تلك المرحلة من حياة الكاتب، هو ما يمكن التأسيس عليه لفهم مواقف وكتابات جمال السويدي في مراحل لاحقة وإلى غاية الآن، نستشف ذلك من قوله: «خلال الدراسة الجامعية بدأتُ خوض معركة استمرت حتى الآن، أي أن عمرها يقارب أربعين عاماً، وهي التصدي لأفكار التيارات الدينية السياسية المتطرفة.. لقد أدركتُ خطرها باكراً، وتعرفت على أساليبها الملتوية، وشاهدتها وهي تتسلل متسترة وراء شعارات تضلل بها الجماهير وتوظف من خلالها شعورهم الديني النقي، وكانت (جمعية العلوم السياسية) ساحة باكرة للمواجهة».

ومما يذكره الكاتب عن تلك المرحلة قوله: «تمّ تكريمي من جانب إدارة الجامعة مع زملاء أحرزوا المراكز الأولى، وكان هذا الاحتفاء مبعث فخر لي، وقد أعادنا الدكتور عبد الرضا أسيري إلى أجواء الجامعة التي لا تُنسى حين أقام احتفالاً العام 2014، على هامش زيارة علمية لي إلى دولة الكويت، دعا إليه كثيراً من الزملاء الذين جمعتني بهم الدراسة الجامعية، واستعدنا ذكرياتنا التي لم تطوِها الأيام والسنون، واطمأننّا على من غاب، وترحّمنا على من انتقلوا إلى جوار ربهم، ودعونا لهم بأن يشملهم الله بعفوه».

وللكويت أهمية خاصة في حياة جمال السويدي، ففيها تلقى دراسته الجامعية، ومنها تزوّج، وشارك أهلَها المأساةَ أثناء غزوها من العراق، ومنها هرب عائداً، ودافع من أجل قضيتها في الإمارات وفي الإقليم وفي المحافل الدولية، وظل على علاقة دائمة بأهلها وخاصة أساتذته.

إخوانية عز الدين إبراهيم

بعد تخرج السويدي في جامعة الكويت، عاد مفعماً بالطموح والأمل، لكنه أصيب بخبية لم يتوقعها، والسبب هو تحكم «الإخوان المسلمين» في المنظومة التعليمية. وهنا نترك الكاتب يشرح لنا خلفية الموقف: «كان المرحوم الدكتور عز الدين إبراهيم، مدير جامعة الإمارات العربية المتحدة، وقتذاك، واحداً من قيادات الإخوان المسلمين، وكان قد غادر مصر بعد صدام الجماعة مع النظام الناصري، واستقر في دولة الإمارات العربية المتحدة وحصل على جنسيتها وتولى مناصب مهمة فيها، آخرها منصب المستشار الثقافي لصاحب السمو رئيس الدولة»، لكن ما السيئ في هذا؟ تأتي الإجابة على لسان المؤلف على النحو التالي: «وجود عز الدين إبراهيم في هذا الموقع المهم كان جزءاً من السعي الإخواني الحثيث في كل الدول العربية إلى السيطرة على التعليم، بهدف التحكم في العقول وغرس ما تريده الجماعة من مفاهيم، وقد اكتشفت أن العراقيل توضع في طريق من ليس منتمياً إلى الجماعة، أو ليس متعاطفاً معها لإخلاء المواقع لأعضائها، ويبدو أن العلاقات كانت وثيقة بين فروع الإخوان المسلمين في بلدان الخليج العربي، وأن تبادل المعلومات بين جمعيتي (الإصلاح) الكويتية و(الإصلاح) الإماراتية، وهما ذراعا الإخوان المسلمين في الدولتين، كان نشطاً إلى الحد الذي جعل اسمي معروفاً للقابضين على شؤون التعليم من قيادات الإخوان المسلمين في دولة الإمارات العربية المتحدة، وهو ما يعني أنه لن يُسمح لي بأن أكون من بين أعضاء هيئة التدريس في جامعتها».

وبعد فقدان الأمل في جامعة الإمارات العربية المتحدة، يمَّمَ وجهه شطر وزارة الخارجية، وهي مكان ملائم للمتخصصين في العلوم السياسية، ولم تكن من المواقع التي استهدفها الإسلام السياسي بتسلله المخادع، وسرعان ما قُبل طلبه بالعمل، ليعيَّن في أولى درجات سلم العمل الدبلوماسي العام 1981، سكرتيراً ثالثاً في ديوان عام الوزارة، واستمر عمله في وزارة الخارجية نحو عام واحد، بين أواخر 1981 وأغسطس 1982.

أراد جمال السويدي مواصلة الدراسة، فعرض مطلبه على وزير التربية والتعليم آنذاك، وكان جوابه هو الرفض، ويوضح المؤلف خلفية رفض الوزير، بقوله: «كان من قيادات جماعة الإخوان المسلمين، وهو الآن هارب إلى إحدى الدول الأوروبية، والسبب وراء الرفض هو أن خصومتي للقوى الأيديولوجية الراغبة في الاستئثار بمواقع النفوذ والتأثير كانت واضحة ومعلنة».

زوجتي و«الوسط الجديد»

أصبح جمال السويدي بعد ذلك في موقف صعب، فها هو يواجه امتحاناً حياتياً مصيرياً، كما أنه يعني الاختيار بين مكاسب الحاضر وآمال المستقبل التي قد لا تتحقق إلا بتكلفة باهظة، وكان أن شّق طريقه غير مبالٍ بصعوبات الحياة. وعن ذلك يقول: «رفض وزارة التربية والتعليم ابتعاثي كان يعني أنني سأدرس على نفقتي الخاصة إذا أصررتُ على هدفي، كما يعني أنني سأخسر وظيفة مستقرة وراتباً جيداً ومستقبلاً يحمل فرص الترقي في المناصب الدبلوماسية والعيش بين أهلي وأصدقائي في مدينة أبوظبي، غير أنني كنت أتْبعُ حلمي، لكن تحقيقه لم يكن مُمْكِناً لولا أنني وجدت من يدعمني، ويشد من أزري، ويهوِّن من شأن الصعاب التي قد تعترض الطريق».

ويروي المؤلف عبر فصول الكتاب، وفي مواقع متفرقة، أن زوجته الفاضلة كانت دائماً إلى جانبه منذ زواجهما وإلى غاية الآن، وخاصة في سنوات المرض، كما سنرى في الحلقة المقبلة.

يشركنا جمال السويدي في حياته الخاصة ليساعدنا على فهم خلفية ما وصل إليه، وبداية حياته الزوجية، وعن ذلك يقول: «كنت قد تزوجت في 29 مارس 1982، من زميلة الدفعة التي شاركتني سنوات الدراسة الأربع، ونافستني على المراكز الأولى في بعض المساقات، وتقاربت آراؤنا ورؤانا السياسية والإنسانية، وخضنا معاً معارك صعبة منها معركة قائمة (الوسط الجديد)، وقاد الانسجام الفكري الذي دعمه قرب نفسي وروحي إلى زواج أعتبره من أهم عوامل نجاحي في الحياة».

وكانت فترة الاختيار بين مواصلة العمل أو السفر من أجل الدراسة فرصة للكشف عن المساندة التي سيتلقاها من زوجته في حياته كلها، وقد سكنا بالمعنى القرآني للكلمة، وفي هذه الفترة التي اختار فيها مواصلة الدراسة كانت مساندة له، وعن ذلك يقول: «كانت تحثني على أن أتبع حلمي، راضية بأن تتحمل المخاطرة بالحياة المستقرة والدخل الثابت لتواجه معي المجهول الذي حذَّرني منه كثير ممن أحبهم وأثق بأنهم يحبونني ويخلصون لي النصح». ويقدر جمال السويدي زوجته حق قدرها، بتصنيف يجمع العاطفة والعقل، بين المساندة والرشد، بقوله: «إذا كنت مديناً لأساتذة كالدكتور شملان يوسف العيسى والدكتور فيصل السالم، والدكتور هاشم بهبهاني، بأنهم زرعوا في نفسي بذور الحلم، فإنني أدين لزوجتي بأنها تعهدت تلك البذور بالسقيا والرعاية وسهرت عليها باذلة كل ما بوسعها، إلى أن استوت على سوقها وأزهرت وأثمرت».

الجهاد.. وأساور الطالبات

التحق المؤلف في 12 أغسطس 1982 بجامعة ويسكنسن في الولايات المتحدة الأميركية، وتحصل منها على درجتي الماجستير والدكتوراه، غير أن تلك المرحلة كانت لها آثار على حياته العائلية، يوجزها في قوله: «ربما يكون من الآثار الجانبية لهذه الفترة أن نجلي خالد وابنتي نورة، وقد قضيا السنوات الأولى من عمرهما خارج الدولة، ظلّا يواجهان مشكلات مع اللغة العربية حتى الآن، فبعد عودتنا إلى الدولة التحقا بمدرسة أجنبية، واستمر استخدامهما للغة الإنجليزية غالباً على تعاملاتهما. أما ابنتي دانة فقد ولدت العام 1988، وعدنا إلى دولة الإمارات العربية المتحدة وعمرها عامان. وولدت ابنتي فرح العام 1994، ومن ثم كانت علاقتهما باللغة العربية أقوى، مع أنهما درستا في مدارس أجنبية».

وبعد عودة الكاتب وعمله في جامعة الإمارات (1990&ndash1993) استأنف معركته مع الجماعات الدينية السياسية المتطرفة، وكانت إحدى الندوات التي شهدتْها كلية الطالبات العام 1990 مسرحاً لمواجهة تركت في نفسه أثراً كبيراً، وكان ضيفها جلال الدين حقاني، الذي كان يُقدَّم وقتها باعتباره من «المجاهدين الأفغان»، و«أصبح أحد الإرهابيين المعروفين فيما بعد، وقد ارتكب جرائم بشعة في حق شعبه وفي حق الإسلام الذي يدّعي أنه يتحدث باسمه». هالَ جمال السويدي ما انطوى عليه حديث حقاني من كذب وتهويل ومجافاة للمنطق، واستغلال للمشاعر الدينية للطالبات الصغيرات السن، خاصة انفعاله وهو يتحدث عن «كرامات» شخصية حدثت له خلال جهاده، وكذلك قوله: إن المجاهدين كانوا يدوسون الألغام بأقدامهم فتنفجر دون أن يصيبهم أذى، وإنه هو نفسه خطا بقدمه فوق أحد الألغام، وانفجر اللغم دون أن يمسه شيء! وأتبع حقاني روايته غير المنطقية بحركة مسرحية رفع فيها نعله أمام الطالبات قائلاً: «انفجر اللغم ولم تتأثر نعالي».

رأى جمال السويدي أن الأداء المسرحي لحقاني رديء وبيِّنَ الكذب، وكان يُغطي هذا الاصطناع بالاستخدام الكثيف للآيات القرآنية والأحاديث النبوية الشريفة وسِير الصحابة، وتحويل مراميها بشكل ملتوٍ إلى غير ما قصدتْ إليه، وفي لحظة من احتدام المشاعر المبهورة بالبطولة والفداء المزعوم، والفخورة بـ«المجاهدين»، تحدث حقاني عن حاجة الجهاد إلى المال، وسرعان ما نزل إلى القاعة شخص إماراتي ملتحٍ كان يقف بجوار حقاني على المنصة، وقد فتح بعض الأكياس وأعطاها للطالبات يمررنها فيما بينهن، ليقدمن فيها تبرعاتهن من أجل «الجهاد المبارك».

وبدأت الطالبات خلع أساورهن الذهبية ليمتلئ الكيس الأول، ووراءه كيس ثانٍ وثالثٌ ورابعٌ، وهؤلاء الطالبات كان بعضهن من أوساط فقيرة، وربما كان بينهن مَنْ تعب أبوها طويلاً وكدَّ وكدح ليشتري لها قطعة الذهب هذه، ثم يأتي شخص يتاجر بالدين يسلبهنّ حليهنّ ببساطة مستغلاً طيبتهن وتديّنهن!

وجد السويدي أن من واجبه الأخلاقي والمهني والديني ألا يدع الحادث يمر، فتوجه إلى إدارة الجامعة وشرح لبعض مسؤوليها خطورة ما حدث، وما يمكن أن يترتب عليه من مشكلات، لكن يبدو أن حقاني كان أكثر إقناعاً لإدارة الجامعة منه، وأن أتباع جماعة الإخوان المسلمين المنبثين في أروقة الإدارة كانوا من القوة بحيث لم يتركوا لصوته فرصة للوصول إلى حيث يجب أن يصل.

المركز والجيش

ومع بداية العام الجامعي 1993/&rlm&rlm&rlm&rlm1994 تمت إعارته من الجامعة للعمل في القوات المسلحة، مكلفاً بمهمة وطنية -استمرت حتى الآن- وهي إنشاء مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية. وعن خلفية إنشاء المركز يقول الكاتب: «لقد شجعني ما رأيته في صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، حفظه الله، من حرص على التقدم نحو المستقبل في إطار رؤية مكتملة الأركان، سياسياً واقتصادياً وعسكرياً واجتماعياً وتعليمياً وحضارياً، فحزمت أمري على إعداد مقترح لإنشاء مركز عصري للدراسات والبحوث الاستراتيجية، تكون مهمته الأساسية هي دعم اتخاذ القرار في دولة الإمارات العربية المتحدة على أسس علمية سليمة، إلى جانب خدمة المجتمع بطرق مختلفة وترسيخ ثقافة البحث العلمي فيه» ويضيف: «لقد اقتنع سموه بالفكرة ووجه بتنفيذها، وشرَّفنا برئاسته للمركز، وبدعمه القوي له منذ اللحظة الأولى، كما شرفني بتكليفي بإدارته والعمل مباشرة تحت قيادته، على الرغم من أن عمري وقتها لم يكن قد تجاوز أربعة وثلاثين عاماً، وقد أبدت شخصيات كثيرة في القوات المسلحة حماسة للفكرة، وقدمت لها الدعم، أذكر من بينها اللواء الركن متقاعد جمعة علي خلف الحميري». وتم تسهيل العمل وإزالة العقبات، وعن ذلك يقول السويدي: «كانت هناك عقبة بيروقراطية بسيطة، تتمثل في أنه لا يوجد نظام لعمل المدنيين في القوات المسلحة، وأي مدني ينتقل إلى القوات المسلحة كان يُسكَّن على رتبة عسكرية، وكان راتبي في الجامعة آنذاك يعادل راتب العقيد في القوات المسلحة، فصدر قرار بحصولي على رتبة العقيد، ورُقيت بعدها إلى رتبة العميد ثم رتبة اللواء». وبدأ مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية عمله بوصفه وحدة من وحدات القوات المسلحة، وظل تابعاً لها حتى العام 2003، حين أصبح هيئة مستقلة لها لائحتها الخاصة، وكان ذلك تطوراً مهماً في مسيرته.. ومعه تطورت مسيرة السويدي، وتعمّقت تجاربه.. نتابع ذلك في الحلقة المقبلة.

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا