• الاثنين 22 ربيع الأول 1439هـ - 11 ديسمبر 2017م

«فراسة»

حجم الخط |


تاريخ النشر: السبت 20 مايو 2017

صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم

إسجعي يا القصايدْ بالجديدْ الغريبْ *** منْ شريفْ المعاني واصلهْ للكمالْ

منْ عجيبٍ مصفَّىَ ما لمثلهْ ضريبْ *** فوقْ حدِّ الظنونْ وفوقْ حَدْ الخيالْ

لولوٍ في مغاصَهْ مظلماتْ الغبيبْ *** جوهَرَهْ مايثمَّنْ بالوزونْ الثِّقالْ

وإكتبي منْ حروفٍ ماوعاها خطيبْ *** لوْ (لِ قِسْ الإيادي) لي بهْ ضَرْبْ المثالْ

نَبضْ يَسري بدَمِّي ويحتويني مِريبْ *** منْ صبايِهْ معايهْ ما لظلِّهْ زوالْ

وإنْ تفَكَّرتْ في حالهْ تَرَكني عطيبْ *** يبتدي بي بحالْ وينتهي بي بحالْ

وإنْ قبضتهْ شعاعهْ وصرتْ أحسِّهْ قريبْ *** فَرْ بينْ الأصابعْ وإختفىَ في الظِّلالْ

منْ عرفتهْ وعرفني قالْ لي لاتخيبْ *** وقلتْ لهْ ما بخَيِّبْ لكْ مدىَ العمرْ فالْ

ومنْ علىَ الخيلْ سيرهْ بينْ صبحْ ومغيبْ *** يحتويهْ التَّأمِّلْ كلِّما بأرضْ جالْ

تملكْ الخيلْ وجدي في هواها سليبْ *** والقَنَصْ والقصايدْ في وصوفْ الجمالْ

ساريٍ وسطْ ظلما مثلْ طيفٍ غريبْ *** متعبٍ خيلْ تفكيري أطاردْ سؤالْ

وشفتْ أنِّي بعلمٍ ما إنكشَفْ للأريبْ *** آتقَرَّبْ لحَلِّ المعضلاتْ الثِّقالْ

كيفْ ها الكونْ يجري في نظامٍ عَجيبْ *** وكيفْ تسري اللِّيالي ماضياتٍ عجالْ

ووينْ مبداهْ ها الكونْ الفسيحْ الرِّحيبْ؟ *** ووينْ منهْ النِّهأيهْ في إتِّساعْ المجالْ؟

عنْ وجودٍ بذاتهْ محتفي ما يغيبْ *** وعنْ وجودٍ لذاتهْ مختفي ما يطالْ

شَفْ حتَّى تظنِّهْ في يمينكْ نصيبْ *** وخَفْ حتَّى تظنِّهْ ذايبٍ في زلالْ

أرجوْ العذرْ لأنِّي كادْ راسي يشيبْ *** منْ طويلْ إفتكاري في أمورْ المحالْ

وصرتْ أسمَعْ لقلبي منْ عنايهْ وجيبْ *** وأتعبتني اللِّيالي منْ عنا الإرتحالْ

ومنْ يفلسفْ وجودهْ بالجدَلْ ما يصيبْ *** والجدَلْ دونْ تعريفْ المعارفْ جدالْ

وفي المعارفْ حياةٍ ربِّها ما يخيبْ *** تَكْسيْ العلمْ وأهلهْ منْ صفاتْ الجَلالْ

بينْ شَرٍّ وخيرٍ في الصِّراعْ الرِّهيبْ *** نجعَلْ الخيرْ مَبدانا وفيهْ النِّضالْ

وكلِّ شَيٍّ بقيمهْ وباكرٍ علمْ غيبْ *** غيرْ أنَّا نشوفَهْ بإفتهامْ وخَيالْ

والدَّلالهْ علىَ المفهومْ ما هي صعيبْ *** بسْ كيفْ الدَّلالهْ دونْ كيفْ ومثالْ؟

قراءة في قصيدة محمد بن راشد

محمد عبدالسميع (أبوظبي)

يطيب لصاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله، أن يختبر مقدرته اللغوية، وحسن توليفه بين المعاني والألفاظ. وإذ يخاطب قصائده وحروفه بين الحين والآخر، فإن هذا الخطاب إنما هو خطاب تحدٍ، اعتدناه لدى سموه الذي يطلب من قصائده أو قلائده الموشاة بالصور والتشابيه الفخمة أن تحمل المعاني الشريفة والحكيمة التي تبتغي الوصول للكمال، وإنه القول الذي يمتاز بفرادته ونقائه وصفائه، ليحمل فكر الشاعر الذي يلج عوالم فوق حد الخيال ولا تساويها الظنون، فهي تجليات واستشراف ذكي، وعوالم جديدة، أشبه ما تكون باللؤلؤ البعيد في الأعماق، وهذا دليل الفكر البعيد والنفاذ إلى ما لا يدرك.. في مكان مظلم في عمق البحر.. وهو كذلك دليل على الأهمية والتكثيف لهذا العمق.. وهنا تبدو تشبيهات الشاعر في وصف الجوهر الذي لا تساويه الأثمان ولا تزنه الأوزان.

إن كل ذلك استهلال طيب، ودعوة من الشاعر لموضوع خطير ومهم.. توطئة لمناسبة عظيمة.. تهيئة لرحلة مجهدة تحتاج مشاركة في هدف سام.. إنه استفزاز القصائد لأن تستنفر نفسها في شعر ما وعاه خطيب، أو اتصف به شاعر.. نبض يسري في دم الشاعر ويتملك عليه إحساسه ويشغله، وهو ليس وليد اليوم بل ظل ملازماً له منذ صباه.

رحلة من التفكير المضني تنقله من حال إلى حال.. ملكوت عجيب.. قريب بعيد.. يتخلل أصابعه ثم يغوص في الظلال.. عوالم من المعرفة الوثيقة والعهد البعيد.. متاهة فكرية ومواطن لا تنتهي بحال.. عوالم من السفر واقتناص الفكر .. غربة تؤدي إلى ألوان جديدة من الاغتراب.

والنتيجة أن الشاعر لا بد وأن يظفر بالجديد من هذه الرحلة التي يستعصي فهمها على الكثيرين.. وما أجمل سؤال الشاعر عن المعرفة، وهذه الجزئيات التي يشتمل عليها هذا النظام المتسق، والذي تتخلله قدرة عجيبة تقصر دونها الألباب.. لنصل إلى الإيمان والمكاشفة بالعجز عن الإدراك في رحلة تظل تتكرر على صعوبة الكشف فيها.. رحلة جعلت رأس الشاعر يشيب كناية عن الذهول والتفكر في فلسفة الوجود.. حيث الجدل متعب جداً وحيث الحواس تتقهقر عن الإلمام بكل التفاصيل.. وفي ذلك نحن أمام سؤال المعرفة ومقوماتها الصعبة.

على صعيد الموسيقى اعتمد الشاعر على بحر شعري متوسط التفعيلات لينسجم مع حالة التأني التي يريدها في رحلة عقلية عرف صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم كيف يجعلها متحركة ذات حياة بما يمتلكه من حس عال وبلاغة فخمة وصور حاضرة وهذا هو سر الإبداع في حمل الفكرة العميقة بالشعر.

 

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا