• الثلاثاء 27 محرم 1439هـ - 17 أكتوبر 2017م

الأزمة السورية بين المنظارين المشرقي والمغاربي

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 01 يونيو 2017

أسماء عبد الكريم

دخلت الأزمة السورية سنتها السادسة منذ ما يناهز عن الشهرين وأصبحت حصيلة القتلى تتعدى عشرات الآلاف وتخطى عدد اللاجئين السوريين الخمسة ملايين حسب آخر إحصاءات المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين موزعين بطريقة غير متكافئة على دول الجوار، أي مصر وتركيا والأردن ولبنان، ناهيك عن ما سببه ذلك من أزمة لجوء في الدول الأوروبية والغربية عامة والتي كانت السبب غير المباشر في صعود اليمين المتطرف الشعبوي وتسلمه مقاليد الحكم في بريطانيا والولايات المتحدة بينما تنفست فرنسا الصعداء عند انتخاب الرئيس ايمانويل ماكرون وقد جاء ذلك منعاً لوصول مرشحة اليمين المتطرف مارين لوبان للحكم فقد برهنت صناديق الاقتراع في فرنسا أن الغالبية الشعبية تؤمن بوجوب استقبال اللاجئين كضرورة إنسانية بحتة محافظة إجمالاً على حيادها تجاه الأزمة السورية ككل. لكن الأمر

يختلف في المنطقة العربية إذ نلاحظ تباينا كبيرا في المواقف الشعبية من الازمة السورية بين المشرق والمغرب. هل قلنا «الأزمة السورية»؟ أجل، هذا ما يمليه علينا الحياد الصحفي أما المعارضون لنظام بشار الأسد فهم يطلقون عليها اسم "الثورة السورية" وبالنسبة للموالين له فهم يلقبونها ب"الحرب السورية ."واذا

اردنا الغوص اكثر في هذا الموضوع لتبيان أسباب هذا الاختلاف الجذري في المواقف فنرى أنه في لبنان مثلا، البلد المجاور، حيث من المفترض أن يعي الشعب اكثر حقيقة ما يجري في سوريا بفضل التقارب الجغرافي والثقافي، فقد اختار معظم اللبنانيين موقفهم نسبة لانتمائهم السياسي الوطني. فالفريقان السياسيان الأهم في لبنان هما من جهة الفريق الموالي للنظام السوري أو ما أصبح يعرف منذ عام 2005 بفريق 8 آذار ،ويضم حزب الله الشيعي الى جانب الأطراف المسيحية والمسلمة، ومن جهة أخرى الفريق المعارض للنظام البعثي والمكون من عدة أطراف وعلى رأسها تيار المستقبل السنّي وحزب القوات اللبنانية المسيحي المعروف تاريخيًا بمعارضته لنظام دمشق أو ما أصبح يعرف منذ سنة ال2005 بفريق 14 آذار نسبة لشهر مارس الذي خرجت خلاله جموع من اللبنانيين للشارع لإعلان موقفها، ان بالتأييد أو بالمعارضة، من الوجود السوري في لبنان وذلك اثر اغتيال رئيس الوزراء اللبناني الأسبق رفيق الحريري. وبغض النظر عن تعقيدات التركيبة السياسية لكلا الفريقين اللبنانيين، سواء اكان فريق 8 أو 14 آذار، تبقى أغلبية المواقف الشعبية في لبنان رهينة انتماء المواطنين الى هذا الفريق أو ذاك وتبدو معالمها واضحة للمراقب للساحة اللبنانية عن كثب فلم تنطو على مفاجآت اثر اندلاع الأزمة في سوريا بل واصل كل فريق مساندته لفريقه .لكن الامور في المغرب العربي تختلف عن ذلك. ففي تونس مثلا حيث انطلقت أول مظاهرات المطالبة باسقاط النظام في بلد عربي، وعلى الرغم من رغبة التونسيين في الاهتمام بالوضع بسوريا فيبدو انهم لا يمتلكون المعطيات اللازمة التي تسمح لهم بفهم ما يجري فيها، فسوريا بعيدة جغرافيا وثقافيا عن هذا البلد المغاربي الصغير الذي كان اقتصاده قائما على السياحة القادمة من أوروبا قبل التحركات التي اجتاحته في يناير من العام 2011 والتي جاءت بحزب حركة النهضة الإسلامي المتطرف التابع لتنظيم الاخوان المسلمين على رأس الدولة اثر انتخابات لا تزال تلاقي استنكارات عديدة من قبل شريحة واسعة من الشعب التونسي لا سيما اليساريين والعلمانيين منهم على الرغم من الإشادة بنجاح التجربة التونسية خارجيا والتي تعتبرها هذه الشريحة من التونسيين دليلا على سطحية مصدرها وعلى جهل عميق بالواقع التونسي.

غذى الفشل الذريع الذي حققته حركة النهضة منذ وصولها الى الحكم في تونس بتسجيلها نتائج كارثية على النطاقين الاقتصادي والأمني، حقد العديد من التونسيين على هذا الحزب والاحزاب الاسلامية عامة وبما أن حزب النهضة متهم بمساندة الجهاديين وقد صنفت تونس كأول بلد يصدر ارهابيين إلى سوريا، فقد اختار العلمانيون دعم بشار الأسد تحت ذريعة أنه حامي العلمانية والأقليات وأنه يحارب الإرهاب الإسلامي رغم أن هذا الأخير لم يهاجم يوما داعش مباشرة. لكن الحقيقة الجغرافية وبُعد هؤلاء التونسيون عن سوريا جسديا وثقافيا يحجب عنهم رؤية أهوال ما يسلطه النظام السوري على معارضيه خاصة وأن أدوات البروباغندا الروسية الداعمة لنظام دمشق تشكل موسوعة ينهلون منها ما لذ وطاب من حجج وبراهين جاهزة للاستعمال ومفصلة حسب نظرية المؤامرة. يجهل أو ربما يتجاهل العلمانيون في تونس أن النظام السوري اخترع أساليب تعذيب لم تسبقه لها أبشع الأنظمة الفاشية على مر الازمان. ويبرر هؤلاء التونسيون موقفهم بقولهم إن الأنظمة الديكتاتورية هي شر لا بد منه في البلدان العربية وأن على الشعب السوري أن يرضخ لهذا الواقع وأن يحافظ على جلاده بناءً على هذا التفكير الاستسلامي. لكنهم يتغاضون عما يتفق على قوله المحللون المختصون في شؤون المنطقة وما جاءت به الشهادات التي ادلى بها معتقلون سابقون، أن في "سوريا الأسد" يُعذب السجناء السياسيون وسجناء الرأي لإجبارهم على الاعتراف بذنوب لم يرتكبونها، ويمسي التعذيب على الأجساد ويتلذذ به الجلادون فيتفانون فيه بحثا عن الشعور باللذة والانتشاء موغلين في نزعتهم السادية المفرطة. فقد قصف بشار الاسد قرى سورية بصواريخ سكود الروسية الصنع في حادثة ليس لها مثيل اذ لم يسبق أن قصف نظام شعبه بنفسه كما أنه متهم بالعديد من الهجومات بالأسلحة الكيميائية ضد شعبه. ويصنف العلمانيون التونسيون هذه

المعلومات ضمن الدعايّة الاعلامية التي يسوقها مناهضو النظام. وبعكس اللبنانيين الذين عانوا ومن دون استثناء من الاحتلال العسكري السوري، فالتونسيون لم يتذوقوا شتى ألوان التعذيب من النظام الأسدي ويبقى حكمهم على الأزمة حكم المراقب الأجنبي حتى وان اشتركوا مع السوريين قليلا في لغة الضاد ويكاد أن يكون هذا القاسم المشترك الوحيد بينهم اذ يبقى المثقفون التونسيون بعيدون كل البعد عن المثقفين السوريين الذين تحملوا العذاب والابعاد القسري والغربة بعيدا عن وطنهم جراء أحكام تعسفية أصدرها بحقهم النظام البعثي بعد أن قضوا سنين من عمرهم في ردهات سجون النظام يساندون ثورة شعبهم وينتظرون بفارغ الصبر سقوط طاغية دمشق ولا يترددون في الافصاح عن ذلك في مقالاتهم وعلى

صفحات التواصل الاجتماعي التي تعج بالشهادات الحية لهؤلاء. ... المزيد

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا