• الأحد 28 ذي القعدة 1438هـ - 20 أغسطس 2017م

«مجتمع وحياة»

ميزان الإنسانية

حجم الخط |


تاريخ النشر: الجمعة 02 يونيو 2017

مفهوم الإنسانية قد يعتبره البعض بديلاً عن الدين كما في مذاهب الأنسنة، وقد يقصد به معاني راقية عند البعض الآخر، إلا أننا نتحدث عن الإنسانية من وجه ارتباطها بالدين والتدين. وتعتبر سورة «الرحمن» بحق هي المعيار والميزان في توصيف عميق لمفهوم الإنسانية.

يقول سبحانه وتعالى: «الرَّحْمَنُ»، وهو اسمٌ يتعلق بذات الله عزّ وجل، ويتفرع عنه جميع معاني الرحمة التي تتصل بالبشر، والتي يختص تعالى بها ثمانية متتابعة:

«عَلَّمَ الْقُرْآنَ» أي الدين هنا، «خَلَقَ الْإِنْسَانَ»: أي الإنسانية، «عَلَّمَهُ الْبَيَانَ»: أي التدين، فقدّمَ ذكر الإنسان متصلاً بخلقه له على ذكر «علَّمهُ البيان»، بمعنى أنّ ما يظهر من الإنسان من مفهومه للتدين، من صلتهِ بالخلق، من ارتباطه بخلق الله له وتعليمه القرآن، قائمٌ على معنى كونه إنسانًا.

«الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ»، إذ كل العلوم التجريبية تقوم على الحساب، والكون في حالٍ من الحركة القائمة على قوانين ثابتة «بحسبان»، يستكشفها الإنسان ويتعرف عليها.

وَ«النَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ»، لأن مجمع الكون: نجم في الأعلى يلقي بضوئه إلى الأسفل، حيث يوجد الإنسان، وشجر في الأسفل يصعد إلى الأعلى، وهما يلتقيان – ككل ما في السموات والأرض – على صفة السجود.

وَ«السَّمَاءَ رَفَعَهَا»، حيث يرنو الإنسان، «وَوَضَعَ الْمِيزَانَ»، أي جعل الله تعالى لنا في الأرضِ ميزانًا نرتقي به إلى الأعلى، فما هو هذا الميزان؟

يقول الإمام نجم الدين الكُبرى: «الميزان هو القوة العقلية المُميّزة للصواب وللعدل»، «أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ»، أي لا تجعلوا صلاتكم وتعاملكم من خلال الميزان بالطغيان، لكن من أين يأتي الطغيان؟

إذا كان كل مولود يولد على الفطرة، فما الذي أخرجه عنها؟

الأصل أن الإنسان يولد على الفطرة، أي تكون لديه هذه القِيَم الإنسانية «في أصلها الإيماني» في تعامله مع رغباته وشهواته.

إذا أراد الرضيع الطعام صاح.. فتستجيب له أمه بضمه إلى صدرها.. ليرسخ في وعيه منذ الطفولة أن يعلن عن حاجاته بالصراخ ليتفاعل معه العالم المحيط، إلا أن حكمة الله تعالى جعلت تغذية الإنسان الجسدية متصلة بتغذية إنسانيته.

كذلك الحال بصدد إشباع الرغبة الجنسية، والتي ترتبط فيها دلالة الاشتهاء بمعاني راقية من السكن والمودة والرحمة، متى تناولها الإنسان على ما يجب وكما يجب وجرى بها على النحو الذي لأجله خلق، وضابطها قوله صلى الله عليه وآله سلم: «خَيْرُكُمْ خَيْرُكُمْ لأَهْلِهِ وَأَنَا خَيْرُكُمْ لأَهْلِي».

فإذا غابت تلك المعاني، واختل الميزان، وانفلت زمام شهوة الطعام والشراب، ولو بطلب التنوع والإسراف، اختلت الإنسانية وسارع التدمير لكل مقدرات الطبيعة.

كذلك إذا انفلتت شهوات الرغبات الجنسية عن الضوابط الشرعية، وإذا ضيّع الإنسان القِيَم والآداب والهدي النبوي أصبحت هناك فوضى، حيث أفرز الضيق والنفور من الإشباع الطبيعي للرغبات الجسدية صوراً مختلفة من العلاقات، كلها مخالفة للإنسانية والآدمية.

لهذا جاءت حكمة ضبط الرغبات، لأن الرغبات إذا انطلقت بغير ضوابط تجور على القيم، وتضر بإنسانية الإنسان، فقال عزّ وجل: «وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلَا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ»، أي لا تجعلوا الرغبات والانطلاق فيها تطغيكم، ولو كانت باسم الدين، ولو كانت باسم الإنسانية.

لكن ما الذي يضبط هذه القِيَم ويحدد منظومة الأخلاق التي يتصرف الإنسان من خلالها؟ هناك من يقول الدين.. وهناك من يقول الإنسانية هي التي تحفظ القيم والأخلاق.

والقول بضابط الإنسانية له سنده من الدين، إذ يقول رسولنا الكريم «النَّاسُ مَعَادِنُ كَمَعَادِنِ الْفِضَّةِ وَالذَّهَبِ، خِيَارُهُمْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ خِيَارُهُمْ فِي الإِسْلاَمِ إِذَا فَقِهُوا»، بمعنى أن قيم الخيرية من أصل الفطرة، ففي الحديث برهان على التفاوت الفطري في الطباع الخلقية وغيرها، وأن خيار الناس في التكوين الفطري هم أكرمهم خلقاً، وكذلك في حديث: أَنَّ الأَمَانَةَ نَزَلَتْ فِي جَذْرِ قُلُوبِ الرِّجَالِ إبانة لحقيقة من حقائق التكوين الأخلاقي الفطري، تثبت أن الله عز وجل أنزل خلق الأمانة في أصل القلوب، إذ الجذر أعمق شيء فيها.

لكن هل معنى ذلك أنه يمكن للإنسان بغير استناد إلى دين أن يرتقي بخُلقه وإنسانيته إلى درجة تؤثر على الكون المحيط به، يُحكم بها عمارة الأرض، وتتحول إنسانية الفرد إلى إنسانية أمّة؟ ذلك موضوع المقال القادم بإذن الله تعالى.

     
 

بارك الله فيكم

وايضا في سورة الفاتحه قوله تعالى ( الرحمن الرحيم ) قال السعدي: (الرحمن الرحيم ) اسمان دالان على أنه تعالى ذو الرحمة الواسعة العظيمة التي وسعت كل شيء، وعمت كل حي، منتظر بكل صبر هل فعلا الانسان بعدم استناده واتباعه لدين معين هل سيكون مؤثرا على مجتمعه والعالم من حوله ؟؟

وليد جمال الجندي | 2017-06-02

الانسانية

بالتوفيق ياحبيب علي منتظرين المقال القادم

محمد لطفي | 2017-06-02

الانسانية قبل التدين

مقال رائع ..نرجو الاستمرار في نشر هذه المواضيع النيرة شكرا لكم

فيصل البكري | 2017-06-02

موضوع عميق ومهم!!

الموضوع عميق ماشاء الله .. ويحتاج تفصيل أكثر .. جميل أن نغوص في أعماق آيات القرآن لاستخراج هذه المعاني التي نحن في حاجة مااااسة جدا لها في زمننا الحالي .. خصوصا في وجود من يحاول نزع انسانية ديننا بالأعمال الارهابية .. تحياتي لكم ولكاتب المقال..

أحمد الهاشمي | 2017-06-02

شكر و تقدير لجريدة الإتحاد

أشكركم جدا على تبني الفكر الراقي للحبيب علي الجفري في ميزان الإنسانية و طرحه للموضوع بصورة واضحة و تشبيهات بليغة سهلة الوصول للمتلقي

محمد علي العطاس | 2017-06-02

الإنسانية قاعدة ينطلق منها التدين

لا يُبنى التدين بشكل صحيح مالم تكن الإنسانية قاعدة متينة يرتكز عليها وينطلق منها ويعلو فلم يُكلف الله سبحانهُ وتعالى احداً من خلقه الا القالب الإنساني بحمل الدين والاتصاف به على الوجه الذي يُرضية وبالهيئة التي تليق بصفتهِ كأنسان . مقال متميز يا شيخ علي واطالب صحيفة الإتحاد باعطاء المزيد من المساحة لمثل هذا القلم المتميز

عبدالله أبوبكر الشافعي | 2017-06-02

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا