• الأحد 04 رمضان 1439هـ - 20 مايو 2018م

الحداثة المتلكئة

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 10 مايو 2018

عبد السلام بنعبد العالي

لا أقصد بالتلكؤ عطباً لحق الحداثة، ولا مرضاً أصابها عند انتقالها إلينا. وإنما أعني به صفة جوهرية، صفة واكبت الحداثة، بمعنى أن الحداثة حتى في مهدها سرعان ما عرفت مقاومات فكانت متلكئة مواكبة لمضاداتها. وبهذا المعنى فالتلكؤ والأزمة والتأزيم من صميم حركة التحديث. كل مقومات الحداثة عرفت وتعرف أزمات. فما يميّز الحداثة في مختلف أبعادها هو تنكّرها لذاتها، هو «عقوقها»، وسعيها نحو التضادّ والميل إلى عدم الرضا والانفصال اللامتناهي.

الحداثة حركة تاريخية لم ترض قط عن نفسها، لم ترض عن مؤسّساتها السياسية، ومنجزاتها التقنية وغزواتها الفلكية، واكتساحاتها المعرفية. فهي لم ترتح للمفهوم الذي أرسته عن الفرد، ولا للمعنى الذي أعطته للحرية، ولا للدلالة التي رسّختها عن العقل، ولا للكيفية التي بنت عليها الديمقراطية، ولا للشكل الذي أرست عليه الحقوق. إنها حركة لم تركن إلى سكون، ولم تخلد إلى راحة ولم تقنَع ولم تقتنع، فكانت ما بعدية على الدوام. لا عجب أن توحّد الحداثةُ بين الفكر والنقد، فتجعل من الأزمة واقع حال، ومن التوجّس والارتياب بنية معرفة، ومن القطائع نسيج الحركة التاريخية، ومن الجرح سمة الكائن.

عندما ستنقل إلينا الحداثة سيغدو هذا التلكؤ مضاعفاً. فالحداثة التي دهمتنا وهي حبلى بمضاداتها ولدت عندنا مضادات من نوع آخر. فلم نتقبلها نحن كذلك بسهولة مثلما لم تُتقبل بسلاسة في بلاد منشئها. استفقنا لنجد بعض مظاهر الحداثة تدهمنا من كل جانب. مع تقدم المواصلات ووسائط الاتصال ارتبطت الحداثة عندنا بتفكك البنيات الاجتماعية، وخلخلة المعالم التقليدية والأصول الفكرية.

صدمة مزدوجة

لم تكن الحداثة عندنا اختياراً ذاتياً، ولم تنتج عن مخاضات داخلية وتطوّر ذاتي. وإنما ارتبطت بصدمتين قويتين: صدمة الحداثة ذاتها بجدتها وغرابتها وقدراتها السحرية، ملفوفة في صدمة أخرى هي صدمة الاستعمار مع ما تمخض عنها من شعور بالدونية والتأخر وكل المشاعر الارتكاسية. ... المزيد

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا