• الثلاثاء 05 شوال 1439هـ - 19 يونيو 2018م

«العمل الدولية» تبحث شكاوى 1200 عامل حرموا من رواتبهم منذ 7 شهور

فضيحة جديدة لانتهاك حقوق العمال في قطر

حجم الخط |


تاريخ النشر: الأربعاء 16 مايو 2018

دينا محمود (لندن)

في دليلٍ جديد على زيف التعهدات التي أطلقها مسؤولون قطريون مؤخراً بإجراء إصلاحات على نظام العمل بما يضمن وضع حدٍ للانتهاكات الوحشية التي يتعرض لها العمال المهاجرون، كشف نشطاء حقوقيون معنيون بأوضاع العمالة الوافدة في الخليج العربي النقاب عن أن منظمة العمل الدولية بدأت في بحث محنة نحو 1200 عامل أجنبي، حُرِموا من رواتبهم منذ بضعة شهور في قطر، كما عانوا من انقطاع الخدمات الأساسية عنهم على مدار أسابيع طويلة.

وفي تقريرٍ مطولٍ نشرته على موقعها الإلكتروني، قالت منظمة «مايجرانت رايتس» (حقوق المهاجر) إن إحالة ملف هؤلاء العمال المنكوبين إلى المنظمة، جاء بُعيد فتحها مقراً لها في الدوحة منذ نحو أسبوعين لا أكثر، وذلك في حدثٍ ترافق مع مزاعم أطلقها مسؤولو «نظام الحمدين»، بشأن اعتزامهم إجراء إصلاحات من شأنها إنهاء معاناة العمال المهاجرين، الذين يربو عددهم على مليونيْ شخص. وأشارت المنظمة إلى أن ممثليها استمعوا إلى بعض هؤلاء العمال الـ1200 -الذين يعملون لحساب شركة «حمد بن خالد بن حمد» للإنشاءات- وذلك للتعرف على تفاصيل المحنة التي يمرون بها، والتي تعكس المشكلات القائمة على صعيد تطبيق الإصلاحات القطرية المزعومة، والعقبات التي تكتنف قدرة العمالة الوافدة الموجودة في هذا البلد، على الوصول إلى السلطات القضائية لمناشدتها مد يد العون لها.

وأفاد التقرير أن السبل تقطعت بأولئك العمال -ومن بينهم نحو 1100 يعملون في النجارة والكهرباء والميكانيك بالإضافة إلى قطاع البناء- جراء عدم صرف رواتبهم، وحرمانهم من موردهم الوحيد للرزق طيلة الشهور الماضية. وأشار إلى أن الأزمة -التي تشمل كذلك قرابة 100 من المهندسين ومديري المشروعات والمسؤولين الإداريين والخبراء في مجال التحقق من مدى توافر معايير الأمن والسلامة- باتت تهدد هؤلاء العمال والموظفين بالطرد من أماكن إقامتهم، ما لم يسددوا الإيجارات المتأخرة عليهم بسبب عدم تلقيهم أجورهم.

وقالت المنظمة إن العمال الـ1200 عانوا لأسابيع من انقطاع خدمات الكهرباء والمياه النقية، مما اضطرهم إلى الاعتماد على منظماتٍ تعمل في المجال الإغاثي، مثل الهلال الأحمر القطري، فضلاً عن جمعية تتولى رعاية الهنود المهاجرين المقيمين في قطر، وذلك للحصول على الإمدادات والمؤن الضرورية لهم، ومن بينها وقود الديزل الضروري لتشغيل مولدات الكهرباء. وأكدت أن الضغوط التي مورست على السلطات القطرية، أدت إلى استئناف توفير بعض هذه الخدمات، في اثنين من شوارع المنطقة التي يقيم فيها العمال المنكوبون، لاسيما في ضوء أن الأزمة التي يكابدها هؤلاء تشكل إحراجاً محتملاً للإصلاحات المزعومة في قطر.

وأشار التقرير في هذا الشأن إلى أنه تمت إزالة أكوام النفايات التي كانت متراكمةً خارج أماكن إقامة العمال المنكوبين، كما استأنفت المؤسسة القطرية العامة للكهرباء والماء المعروفة باسم «كهرماء» تزويد بعضهم بخدماتها، بعدما كانت أوقفتها بسبب عجزهم عن سداد الفواتير منذ شهور. لكن من بين هؤلاء العمال المقيمين في منطقة الثمامة بالعاصمة، من بات مُهدداً بالطرد بحلول منتصف الأسبوع المقبل، بعدما مُنِحوا مهلةً في هذا الشأن لدفع الإيجارات المتأخرة. واتهم التقرير الشركة القطرية -المملوكة لأحد المرتبطين بأسرة آل ثاني الحاكمة في الدوحة- بمنع المسؤول عن مكان إقامة أولئك العمال من الحديث على مدار الشهور الستة الماضية.

غير أن مثل هؤلاء العمال الذين يقيمون بشكلٍ جماعي مع بعضهم البعض، لا يزالون أفضل حالاً من أقرانٍ لهم -كانوا مقيمين بشكلٍ فردي- ممن طُرِدوا بالفعل، إثر عجزهم عن تسديد الأموال المُستحقة عليهم، وانتقلوا للإقامة مع أصدقاء لهم. وكشفت المنظمة أن عمال الشركة القطرية عانوا لعدة سنوات من تأخر صرف رواتبهم لعدة أشهر في كل مرة. وأشارت إلى أن السجلات التي تلقتها تفيد بأن هذه المشكلة حدثت خمس مراتٍ على الأقل، في الفترة بين سبتمبر 2016 وأغسطس 2017، قائلةً إن مدة التأخير تراوحت ما بين ستة إلى عشرة أسابيع.

وتفيد الوثائق أن العمال قدموا شكوى رسمية في الأول من أكتوبر 2017، من أنهم لم يكونوا قد تلقوا -حتى ذلك الوقت- راتب شهر يونيو، وهو ما أعقبه حصولهم على «تطمينات لفظية»، زعم من منحوها لهم بأنه «سيتم تسوية كل الأمور العالقة»، وهو ما دفعهم للعودة إلى أعمالهم كالمعتاد. ولكن هذه التعهدات لم تتحقق بعد -مثلها مثل كل الوعود القطرية بمنح العمالة الأجنبية حقوقها- لتواصل الأوضاع تدهورها، لتبلغ حد عدم منح العمال رواتبهم منذ سبتمبر 2017. ونقل تقرير المنظمة عن بعض هؤلاء العاملين قولهم إنهم أبلغوا الشرطة مرتين أو ثلاث مرات، لإجبار الشركة على منحهم رواتبهم، غير أن ذلك لم يعد كافياً لإجبارها على ذلك منذ أواخر العام الماضي.

وبطبيعة الحال، توقفت شركة «حمد بن خالد بن حمد» للإنشاءات منذ ديسمبر 2017، كذلك عن صرف مستحقات عمالها عن عملهم لأوقاتٍ إضافية، فيما توقفت تماماً عن سداد الرواتب نفسها اعتباراً من يناير من العام الجاري. وقال تقرير «حقوق المهاجر» إن التخلف عن صرف الأجور بهذا الشكل مثّل «القشة الأخيرة» بالنسبة للعمال، الذين لم تُـجدد الشركة القطرية بطاقات الإقامة والعمل الخاصة ببعضهم لمدة عامٍ كامل، وهو ما يُعرضهم لمضايقات الشرطة التي تشن حملات فحص مفاجئة لتلك البطاقات، وتعتقل من لم يجدد منهم الإقامة الخاصة به لفترة تتجاوز ستة أشهر.

وأشار عمال الشركة القطرية إلى أن إدارتها ظلت حتى عام 2016 تتقاضى منهم رسوماً لتجديد بطاقات إقامتهم، وأن غالبيتهم لم يحصلوا على بطاقةٍ تتيح لهم الحصول على رعاية صحية. وقال العمال إن عدم تقاضيهم رواتبهم، أدى إلى زيادة الصعوبات التي تواجههم على صعيد تسديد الرسوم اللازمة لتجديد تصاريح العمل والإقامة. وأكد أحدهم أن ذلك الوضع المأساوي اضطر البعض إلى الاقتراض من زملائه الذين يعانون من ضائقة أقل، وذلك كي يتسنى له السفر إلى خارج قطر أو دفع الغرامات المستحقة عليه بسبب التأخر في تجديد تصاريح العمل والإقامة، وذلك في ظل وعودٍ لم تُنفذ أبداً من جانب الشركة بتعويضهم في ما بعد. وأدى الوضع المتردي الذي يمر به العمال إلى أن يقرر البعض منهم -ممن لم يقضوا سوى عامين أو أقل في العمل لحساب هذه الشركة- العودة إلى وطنه، دون محاولة الحصول على مستحقاته، بينما تدهورت الأحوال بالنسبة لمن قرروا البقاء، في ظل حرمانهم من الخدمات الأساسية والطعام. وأكدت المنظمة أن السلطات المعنية لم تكترث بالشكاوى التي قدمها العمال بشأن مشكلاتٍ مثل عدم تلقيهم رواتبهم أو التأخر في صرفها، وعدم تجديد تأشيرات الإقامة وعدم توفير ظروف آمنة للانتقال، برغم أن هذه الشكاوى سُجِلت في السفارة الهندية في العاشر من الشهر الماضي، ثم في السفارتين النيبالية والبنجلاديشية بعد ذلك، باعتبار أن هذه السفارات مسؤولة عن الجانب الأكبر من العمالة المتضررة. وأشارت إلى أن تلك السفارات -ومعها السفارتان السريلانكية والفلبينية- لم تكن قادرةً سوى على تقديم مساعداتٍ محدودة، ومواد إغاثية، وكذلك توجيه خطاباتٍ إلى شركة الإنشاءات القطرية التي تحرم عمالها من مستحقاتهم.

لكن هذه الجهود لم تكف، مما أجبر العمال على تقديم بلاغ رسمي إلى مركز شرطة منطقة الخور، الذي زعم مسؤولوه أنهم سيجرون تحقيقات مع إدارة الشركة حول توقفها عن صرف رواتب عمالها وموظفيها، لفترةٍ بلغت في بعض الأحيان سبعة شهور كاملة، لترد الإدارة على ذلك بتعهدٍ جديد بحل المشكلة. وأكدت المنظمة أن هذه التعهدات «لم تُلب»، ما حدا بالعمال بالعودة للشرطة مرةً أخرى، وكذلك تسجيل شكاوى لدى وزارة التنمية الإدارية والعمل والشؤون الاجتماعية في قطر، وهو ما أسفر عن مزيدٍ من التعهدات والمماطلة من جانب مسؤولي الشركة القطرية، والمطالبة بمزيدٍ من الوقت لحل المشكلات التي يعاني منها العاملون لديها.

واستعرض التقرير العقبات الروتينية التي تضعها السلطات المختصة في الدوحة، لعرقلة اتخاذ أي خطواتٍ جدية على طريق إنهاء محنة العمال الـ1200، ومن بينها إعلانها التوقف عن تلقي أي شكاوى جديدة في هذا الصدد، بدعوى أن ذلك الملف بات متخماً بالمظالم، أو زعمها أنه يتعين استكمال إجراءات تسجيل البلاغات والشكاوى، قبل أن يُتخذ قرار بالتدخل في القضية. في وقت نظم مجموعة من العمال المنكوبين احتجاجين أمام المحكمة المعنية بقضايا العمل في المنطقة الصناعية في الدوحة، وذلك للمطالبة بنيل حقوقهم، ولكن هذا لم يفض سوى إلى تلقيهم «تطميناتٍ» جديدة، بأن كل شيء سيعود إلى طبيعته في غضون أسابيع قليلة!

وقالت المنظمة «إن استمرار الأزمة أدى إلى الزج بأحد العمال الفلبينيين في السجن لفترةٍ بلغت نحو ثلاثة أشهر، بعدما عجز عن تسديد قرضٍ مستحق عليه، بينما تلقى عمال آخرون اتصالاتٍ هاتفية ورسائل تتضمن تهديداتٍ من المصارف المُقرضة لهم، بأنها ستتخذ ضدهم إجراءاتٍ قضائية، ما لم يسددوا الدفعات الخاصة بالقروض التي حصلوا عليها في السابق». وأشار التقرير إلى أن جلسة المحكمة التي وُعِدَ بها بعض العمال للنظر في شكاواهم، أرْجِئت من موعدها الأصلي في الثامن من الشهر الجاري إلى العشرين منه، بينما لم تُحدد لعمالٍ آخرين أي مواعيد للنظر في ما تقدموا به من شكاوى من الأساس.