• السبت 09 شوال 1439هـ - 23 يونيو 2018م

عرض مناظر طبيعية للإمارات في معرض «بيات»

جون هاريس.. انغماس في جبال مائية

حجم الخط |


تاريخ النشر: الأربعاء 13 يونيو 2018

نوف الموسى (دبي)

الوعي الصافي؛ لا يحتمل أي معنى لـ«الشخصية» أو الفردية، وهو نفسه يعكس اللحظة التي ينسجم فيها الإنسان مع الطبيعة. يرتعد الكثيرون خوفاً من هذا التماهي التام. فكل ما حملوه معهم من ثبات لهيئة الجسد والهوية المكتسبة، قد يذهب مع الريح، هكذا فجأة، من دون مقدمات. إلا أن جموح اللقاء الساحر مع تلك اللحظة يغمرهم، حتى أنهم يتناسون من هم ومن أين جاؤوا. فهل يا تُرى داهم الفنان البريطاني جون هاريس، بعضاً من فيض حضور الحياة فينا، وتلاشى وقتها فعل استشراقه، وانغمس في جبال مائية بعيدة؟ النزهة في معرض «بيات» غاليري بـ«وافي مول» في دبي، احتفاء بهذه المناظر الطبيعية لبيئة الإمارات، وقف أمامها المستشرق جون هاريس، ولا ندري ما إذا عرف نفسه من خلالها. ولكن الجمال الطبيعي، دائماً؛ وفي كل المواجهات استطاع بكل جدارة فائقة، إبقاء الحياة كما هي.

هل يكون هدير الحمام الذي راودني بمشاهدة لوحات الفنان جون هاريس، هو نفسه المقصد الدفين لـ«بيات» -اسم الغاليري- ذلك المقام الموسيقي الشفاف، الأكثر تناقضاً في معطيات الهدوء المكتنز في صخرة بقرب بحيرة تشكلت إثر هطول للإمطار، بالمقابل فهو مساحة موسيقية قابلة للحركة والسرعة مثل السيل الجارف من مياه أعالي الجبال، التي رسمها الفنان جون هاريس بلون الثلج المخملي. وبحسب المناخ المحلي، فإن تلون الجبل باللون الأبيض المائل للزرقه، يكمن في السماء بين الفترتين الصباحية وقبيل الغروب، والمعروف أنها لا تشتد زرقة إلا بسطوع الشمس في أوج الظهيرة. ويمكن بذلك توقع زمنية اللوحة من الظلال التائهة. وهناك.. هناك في وسط إحدى اللوحات، يقف شخصان، حيث يرقد ظلهما على الرمال القريبة من بحيرة المطر، ينظران نحو أفق الالتقاء البديع بين الجبال والأشجار وانعكاسهما على البحيرة، والتكهن حول ما إذا كانا ينظران لأحد ما أو يتنصلان اللحظة بعيداً عن أعين الناس المجحفة، أمر ليس ببعيد، والأكيد، كل الأكيد أنهما يتأملان.. فقط يتأملان.

لا يمكن تجاهل مستوى العليل في الهواء، القادر بانجذابية متقنة على إعلان الرقصات الواحدة تلو الأخرى. الشجرة تختلف عادةً عن غيرها من التكوينات المدهشة، في مسألة الهبوب نحو اليُمنى واليُسرى، فالرقص لدى الشجرة، يستلزم في الكثير من الأحيان الاحتضان بين كل سعفة والثانية، ومتى ما شعرت الشجرة، بأن أحد أغصانها يخجل من التمايل الكلي، ردفته بأغصانها الجانبية القريبة، مجدافاً من الريح، لتسرع وتيرة استكمال عبير البهجة الخالدة، ومراقبة حس التوجس الحاضر الغائب، لتلك الرحلة المستحيلة التي كتبت على أهالي هذه البقعة من الأرض، متى ما سمعوا نداءً للسفر عبر المحيط. ففي كل نظرة للبحر، لا تزال تقفز الأسئلة، كأسماك طائرة، تقترب من الساحل، لتنثر قبلات الغائبين على مرمى من عيون المنتظرين، حتى هذه اللحظة. فالفقدان بطبيعة الحال لا يقتضي من المرء الوقوف على الأطلال، بل هو ذلك الجزء الدفين، الذي يمكن إيقاظه أحياناً بلوحة فنية واقعية، أو مروية من الموروث البحري: «وش لك بالبحر وأهواله..».

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا