• الجمعة 08 شوال 1439هـ - 22 يونيو 2018م

الصعود إلى أسفل

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 14 يونيو 2018

إنه المساء يا صديقي، أكتب إليك من شرفة منزلي في المهجر، أسكن في الطابق التاسع في مدينة لا تنام، يملؤها الضجيج وتزدحم سماؤها بالأضواء والبنايات.

الناس هنا يتكلمون لغات عدة، يمارسون طقوساً مختلفة، تشغلهم الحياة، ومنهمكون دائماً في العمل.

وفي خضم هذه اللحظات، اقتحمت شرفتي نسمة هواء صيفية أشعرتني بالبرودة، فنظرت إلى فنجان قهوتي وحضرتني صورتك، وتملكتني رغبة الحديث إليك، وأخذتني الذاكرة إلى أيام صبانا وكأني أمشي برفقتك تحت المطر. في الحقيقة، لم أعد أرى المطر، أو أنني بت أخشى البلل خوفاً على سترتي باهظة الثمن، أو حقيبتي الممتلئة بالمستندات والمعاملات، وأتذكر وقت أن كنا نخشاه - أي المطر - خوفاً على شطيرة الجبن التي صنعتها أمي، وقد اعتدنا تقاسمها في المدرسة لأننا لا نملك ثمن غيرها، أو خوفاً على الرسائل الملونة، الموقعة من ح.س، ترى ما حال ح. س اليوم؟ وهل ما زلت تخفي الرسائل في كتاب قديم تحت الزهرية في مستودعكم؟

هل ما زلت تقضي الليل تمشي على سطح بيتكم، تستمع للإذاعة؟ أو تقطف من أزهار الياسمينة عند مدخلنا؟ هل تنتظر رؤية الغروب؟ أو تمشي تحت المطر؟ هل لديك جار تلقي عليه تحية الصباح؟ وهل تكتب رسائل وردية على ورق ملون؟

أتعلم يا صديقي، لم يعد هناك ورق ملون، ولا مشاعر نخفيها، بل أصبحت المشاعر إلكترونية، والرسائل تكتب على شاشة صماء، تحميها أقفال وهمية، الناس جميعاً لهم الخط نفسه، ويتخلصون من الماضي بنقرة زر. أصبحنا اليوم كالآلات، حياتنا رهينة الوقت، تحكمنا التكنولوجيا، وتربطنا شبكات رقمية، فقطع بعضنا الأرحام، وهجر الكتب، ونسي الأخلاق، واستبدلها بثقافات جديدة ولغات بديلة، وماتت في قلوب بعضنا القيم. قد يرى البعض أنه بذلك يصعد ويرتقي، وفي ذلك شيء من الحقيقة، ولكني أرى أنه يصعد إلى أسفل، فالعالم اليوم مختلف، يملؤه الخداع والتلون عند البعض، فالحب مصلحة، والعلم تجارة، والجمال مصطنع، والخصوصية مفقودة. فنالت الحياة منا، وسلبت روحنا، وفقدنا الإحساس بالأشياء، وتركنا التواصل، ولم تعد لنا قدرة على فهم خوارزمية هذه الحياة المعقدة.

اشتقت إليك، واشتقت إلى نفسي، فلم تعد لي طاقة على النسيان، ولا القدرة على مواجهة هذا التيار الجارف، وأحاول كل يوم جمع بقايا روحي المتناثرة بين مجريات هذا العصر، وترميم ما تبقى من آثار هذا الإنسان المتلاطم بين حنين الماضي ومواكبة الحاضر وانتظار المستقبل، ولكن اطمأن، فما زلت على العهد، ولم تنل هذه التحولات من إنسانيتي، ولن أهدم لبنة بنيتها في سبيل الغد الذي طالما اتفقنا على أنه حتماً سيكون أحلى.

أحمد بني عامر

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا