• الاثنين 03 صفر 1439هـ - 23 أكتوبر 2017م

ضريبة التفريط في علم الأديان

فوَرانُ المقدَّس

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 10 أغسطس 2017

عز الدين عناية

كشفت حالة الاضطراب التي تعيشها البلاد العربية عن تخبّط في الوعي بالدين، وهو تخبّط يعود في عمقه إلى عدم تطابق أدوات المعرفة مع حقل المعرفة، حيث يستحضر «العقل الخامل» أدوات معرفية لاغية أو محدودة الأثر، متوهّماً قدرتها على فهم «الكائن المتدين» وحلّ إشكالياته العصيّة. فما الذي فات الدارس العربي لِيلج طور الحداثة في فهم الدين والتحكم بتشظيات المقدّس والإحاطة بتحولاته؟

المنهج اللاهوتي والمنهج العلمي

بدءاً، يتلخّص الإسهام العلمي للمناهج الحديثة في دراسة الظواهر الدينية، وِفق ما أوضحه الفرنسي ميشال مسلان في كتاب «علم الأديان»، في التركيز على متابعة العلاقة الأفقية وتخطّي العلاقة العمودية في علاقة «الكائن المتدين» بالمقدّس. بوصف علم اللاّهوت هو علم معياري سياقاته مشروطة بمدى ما يتمتّع به الإيمان من صدق. أما علم الأديان، فلا يستطيع أن يكون محلّ إجلال أو إدانة، بسبب الموضوعية العلمية التي تصبغه. ذلك أن المقاربات اللاهوتية تجيب عن سؤاليْ: ما الواجب علينا الإيمان به؟ ولماذا ينبغي علينا الإيمان بذلك؟ في حين يهتمّ علم الأديان بكلّ ما هو معتقَد من قِبل البشر. وبذلك يكون علم الأديان جملة القواعد والضوابط العامة -التي تخضع لها التجربة الدينية، تجربة الإنسان مع المقدّس- المستمدة من العلوم الاجتماعية والإنسانية.

ولتتّضح معالم النهجين أكثر، أعود إلى التطرق إلى خاصيات مجالات اللاهوت، أو لنقل «العلوم الشرعية» بصياغة إسلامية. فهي علوم على صلة بلحظة مفارقة غير تاريخية، تعبّر عن وجهة نظر المؤمن «الداخلية». حيث إن أصل كلمة «teo-logia» إغريقي، وفي مدلولها العربي تعني «خطاباً حول الله»، هو في الواقع خطاب حول ما لا عيْنَ رأت، حيث ينصبّ اهتمام علم اللاهوت على دراسة القضايا الفقهية والمسائل التشريعية، وضبط قواعد الاستدلال بشأن الغيبيات، عبر تأصيل الأحكام وتقعيد الصلات بين العبد وخالقه، بغية تقديم نظام أخلاقي دنيوي، في وصال مع ما يتصوّر المؤمن أنه الحقيقة المطلقة. وتبعاً لخاصيات هذا العلم المعياري، فهو يرنو إلى إرساء علاقة سوية بين الإنسان وبارئه. أي ضمن أي السُّبل يتحقق الفلاح الدنيوي والخلاص الأخروي. وبشكل عام تتميّز انشغالات هذا العلم بتوطيد علاقة عمودية تصل الإنسان بربّه، يتطلع فيها إلى تحقيق الانسجام الأمثل.

وبالتالي يتكفّل علم اللاهوت بمعالجة الشعائر الدينية ضمن شروط الصحة والوجوب. في حين تحاول المقاربةُ العلمية سواء في شكلها السوسيولوجي أو الأنثروبولوجي فهْمَ أبعاد الممارسة الشعائرية وأثرها، مستهدِفة بلوغ مقصدها الأعلى دون خوض في شروط صحتها أو أدائها، ولكن بوصفها ممارسة اجتماعية أو رمزية داخل إطار زماني وحيز مكاني. وعلم اللاهوت في تنظيمه مجال الطقوس، هو محكوم أساساً بمنطق الجواز والبطلان، والطهر والنجاسة، والخلاص والخسران، والثواب والعقاب، والمشاركة والحرمان. لذلك تحوم مجمل إشكالياته حول ترسيخ سلوك المؤمن القويم، بغرض بلوغ خلاصه الأخروي وفلاحه الدنيوي.

وفي الفضاء الإسلامي، وإن ارتقى التطور التشريعي والفقهي إلى حدّ ظهور علوم شرعية مختلفة على صلة بمتنيْ القرآن والحديث، فإن هذا التطور لم تصحبه متابعة خارجية في التعاطي مع الدين. نرجع ذلك إلى عدم توفر الشروط التاريخية المعرفية لذلك، وبقاء تفسير الأمور في حدود ما هو مفارق. إذ بافتقاد الإطار التاريخي المعرفي يتعذّر على الإنسان المتديّن إعادة قراءة تجربته، ومراجعة نسق مفاهيمه. ما أبقى المؤمن عامة في مستوى استهلاك الاعتقاد والقصور عن بلوغ مراتب تبيّن أصول الاعتقاد، وهو ما يتطلّب تجاوز حاجيات الغريزة إلى طرح تساؤلات الثقافة. وضمن السياق المشار إليه، الذي يتوزّع فيه النظر في الدين إلى ضربين: داخلي وخارجي، أو بوضوح إلى لاهوتي وعلمي، برزت خواص «علمية» تجمع بين مختلف المباحث المكوّنة لعلوم الأديان، على صلة بالمنهج التجريبي الوضعي في البحث، فضلاً عن المنهج الاستقرائي واختبار النتائج، بما يضمن حياد الملاحظ. ... المزيد

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا