• الاثنين 05 محرم 1439هـ - 25 سبتمبر 2017م

قبل «الإنترنت».. كانت الرسائل برائحة الغائبين

أدباء وقادة كتبوا قلوبهم «حبراً على ورق»

حجم الخط |


تاريخ النشر: الأربعاء 13 سبتمبر 2017

هويدا الحسن (العين)

تمتلئ هواتفنا اليوم بمئات الرسائل التي تصلنا في كل لحظة تحمل تهنئة أو سلاماً مزيناً بصور لأزهار وعبارات معلبة لا تحمل صدق مشاعر مرسلها، ولا تثير في نفس مستَقبِلها أية عاطفة.

الرسائل اليوم لم تعد تحمل خطَّ مَنْ نحبهم، ولم يعد في استطاعتنا التقاط رائحة الحبر، وعطر الغائبين الذي يسكن مسامات الورق، بل أنه لم يعد حتى في استطاعتنا طيها وحفظها في مكان آمن بعيداً عن أعين المتطفلين. رسائل اليوم قصيرة، سريعة، باردة، سهلة النسيان، إنها ببساطة رسائل بلا ذاكرة.

أما التاريخ فيحمل لنا آلاف الرسائل التي تم حفظها كوثائق تاريخية هامة توثق لأحداث جسام، فالرسائل في أزمنة ما قبل وسائل التواصل الاجتماعي كانت توثق لقصص الحب العظيمة التي خلدها التاريخ، كما وثقت لكثير من الأحداث التاريخية، ولقد خصصت المتاحف العالمية مكاناً خاصاً بين جنباتها لتلك الرسائل، ولعل أهمها متحف اللوفر، الذي يضم جناحاً كاملا يضم أشهر الرسائل المتبادلة بين العشاق والمشاهير، تلك الرسائل التي لا تحمل عبق الحب وحده بل تحمل أيضاً عبق التاريخ، وقد عكف الكثير من الكُتَاب والباحثين على جمع تلك الرسائل في عشرات الكتب ليسهل على القارئ الوصول إليها والتمتع بقراءتها، فوحدها تلك الرسائل قادرة على السفر بك عبر الأزمنة لترصد رائحة الماضي الجميل واستحضار شخصياته الملهمة لتكشف عن جوانب أخرى في حياة هؤلاء الأشخاص، فعندما تقع عيناك على إحدى رسائل نابليون بونابرت لحبيبته جوزفين سيفاجئك ذلك الجانب الرقيق والهش لرجل الحروب والانتصارات العسكرية الكبرى، فقد كتب في إحدى رسائله إليها قائلا: «حبيبتي.. لم يغمض لي جفن حتى الصباح، لقد نهضت وأنا ممتلئ الوجدان بصورتك الساحرة، وذكريات ليلة الأمس تسكر حواسي وأنفاسي، يا جوزفين الرقيقة .. ماذا ستفعل بي إلهاماتك الغامرة؟ إن مجرد تصورك وأنت مهمومة أو تتألمين يكفي أن يحطم قلبي ويسلبني الرغبة في الحياة، لقد اكتشفت أن فتنتك الرائعة الدافئة وجمالك الساحر ما هو إلا جزء من مواهبك الكثيرة، وإن جاذبيتك التي أحالت قلبي إلى ألحان شجية كافية لأن تسعد الدنيا بأسرها».

أما الروائي العظيم فيكتور هوجو، الذي تنسب إليه مقولة «علينا أن نبحث في خطابات الرجال أكثر مما نبحث في أعمالهم، إذ هناك ختم القلب وأثر الحياة»، فقد اعتاد أن يترك رسالة قصيرة لملهمته «جولييت دورييه» كل يوم يبثها فيها مشاعره تجاهها وبدورها اعتادت هي أن تكتب له رسائل يومية على مدار نصف قرن حتى وصل عدد رسائلها إليه ثماني عشرة ألف رسالة غرامية كان آخرها قبل وفاتها بأربعة أشهر.

أما الرسائل المتبادلة بين جبران خليل جبران ومي زيادة فتكاد تكون عملاً إبداعياً قائماً بذاته، إنها الصداقة القائمة على تبادل البوح بين صديقين تحولت مع الوقت إلى شغف لم يمنعه البعد وعدم اللقاء من أن يستمر مشتعلا على مدى أكثر من عشرين عاماً لتخلد قصة حب فريدة من نوعها، في إحدى رسائلها إلى جبران كتبت مي تعترف بخوفها من الحب، فجاءها رده متفهماً مخاوفها تلك حيث كتب إليها: «تقولين أنك تخافين الحب! لماذا تخافينه؟ أتخافين نور الشمس؟ أتخافين مدّ البحر؟ أتخافين طلوع الفجر؟ أتخافين مجيء الربيع؟ لماذا يا ترى تخافين الحب؟ أنا أعلم أن القليل في الحب لا يرضيكِ ، كما أعلم أن القليل في الحب لا يرضيني، أنتِ وأنا لا ولن نرضى بالقليل، نحن نريد الكمال.. الكثير، كل شيء! لا تخافي الحب يا رفيقة قلبي، علينا أن نستسلم إليه رغم ما فيه من الألم والحنين والوحشة، ورغم ما فيه من الالتباس والحيرة).

إنه سحر الرسالة الذي فقدناه مثلما فقدنا أشياء أخرى كثيرة واستبدلناها بأشياء أقل صدقاً وأخف تأثيراً على نفوسنا التي تتوق من وقت لآخر إلى أزمنة أكثر دفئاً وصدقاً.

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا