• الثلاثاء 23 ربيع الأول 1439هـ - 12 ديسمبر 2017م

نحو فهم مغاير لعلاقة الفلسفة بالأدب

استراتيجيّة المراوغة

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 12 أكتوبر 2017

رؤية.. ورؤيا

عبد السلام بنعبد العالي

خلال الزيارات الأربع أو الخمس التي قام بها جاك دريدا لكلية الآداب بالرباط، لا أذكر أنه حلّ ضيفاً ولو مرة واحدة على قسم الفلسفة. كان قسم الأدب الفرنسي هو من يدعوه إلى إلقاء محاضرة أو الالتقاء بالأساتذة. ورغم ذلك، فإنك لم تكن تستطيع أن تميّز ضمن العدد الهائل من الحضور بين متخصص في اللغات، أو متخصص في الآداب ،أو في الفلسفة. يقال إن الأمر ذاته يحدث مع المفكر الفرنسي عندما يزور إحدى الأميركتين. أتصوّر أن الأمر نفسه كان سيحدث مع جيل دولوز لو أن صاحب«فلسفة الترحال» كان يحبّ التنقل بين جامعات العالم على غرار زميله. والمعروف أن محاضرات جيل دولوز في باريس، كانت تضمّ إلى جانب علماء الرياضيات والموسيقيين وأصحاب السينما والفن التشكيلي، فلاسفةً وأدباء. ربما كانت هذه خاصية جيل بكامله من المفكرين الذين يتعذر علينا تصنيف أعمالهم وتحديد فعالياتهم ضمن خانة بعينها، والحسم، على الخصوص، فيما إذا كانوا أقرب إلى الأدب منهم إلى الفلسفة.

نستطيع أن نردّ أصول هذا المزج بين الفلسفة والأدب إلى الرومانسيين الألمان، وإلى ظرفية معينة كان موريس بلانشو قد أجملها في «الحوار اللامتناهي» عندما كتب:«إن الكتّاب الرومانسيين كانوا يشعرون بما هم يكتبون، بأنهم الفلاسفة الحقيقيون، وأنهم ليسوا مدعوين إلى التمكّن من الكتابة، بل إنهم مرتبطون بفعل الكتابة كمعرفة جديدة عليهم أن يتعلموا إدراكها بأن يصيروا على وعي بها». هذا الوعي بالكتابة هو في الوقت ذاته مقاربة لماهية الفكر والأدب معا، وهو ليس مجرد محاولة لصياغة نظرية جديدة في الأدب، وإنما هو النظرية نفسها وقد غدت أدباً.

النظرية أدباً، والأدب نظريةً، هذا بالضبط ما نلفيه بشكل مجسّد في أعمال جاك دريدا. ذلك أنها تجمع، إلى جانب الخوض في قضايا الفكر السياسي وفلسفة الحقوق، هموما تتموقع بين النقد الأدبي والفكر الفلسفي. وربما كان فهم صاحب «هوامش الفلسفة» للفعالية الفلسفية والكتابة الفلسفية كفيلاً بأن يلقي لنا الضوء على هذا المنحى، ويكفي أن نتذكر أن الفلسفة عنده لا تنصبّ على موضوع بعينه، ولا تحصر نفسها في قضايا متخصصة. فهي في منظوره أساسا استراتيجية لتقويض الأزواج الميتافيزيقية، علماً بأن مفهوم الميتافيزيقا ذاته لا يعني عنده، على غرار ما عند م.هايدغر، لا يعني جهةً من جهات المعرفة، ولا فرعا من فروع الدراسات. الميتافيزيقا حاضرة في مختلف الأشكال الثقافية التي عرفها ويعرفها الإنسان، وهي«حاضرة» في اللغة بالأساس. فإذا كان لا بد من أن نحتفظ لها بالتعريف التقليدي من حيث هي مبحث في الوجود، فينبغي أن نضيف إلى ذلك عبارة هايدغر أن «اللغة هي مأوى الوجود ومثواه». وحينئذ تصبح استراتيجية الفلسفة، كما استراتيجية الكتابة الأدبية، مراوغة للّغة وتقويضاً للميتافيزيقا، وتفكيكاً لأزواجها، وتشريحاً لنسيجها.

من جملة النتائج التي ستتمخض عن ذلك ما يمكن أن ندعوه أدبية النصّ الفلسفي. إنها مسألة تؤكد أن الطرح التقليدي لعلاقة الفلسفة بالأدب، وكل المحاولات التجنيسية المتشدّدة التي تتشبث بالفصل بينهما والتأكيد بأن الفلسفة خطاب عن حقيقة تنطق بذاتها وتتمتع بامتيازات وتُعفى من أهواء الكتابة، إن هذا الطرح لابد وأن يصطدم بواقع التشكيل النصّي للفلسفة، وبمجازية لغة الفلاسفة.

ترتبط المسألة إذاً بإعادة النظر في كثير من ثوابت الفلسفة، إلا أنها تتعلق على الخصوص بإعادة النظر الجذرية في مفهوم الحقيقة ذاته، وعلى الخصوص في الثنائي (حقيقة/‏ مجاز) حيث يغدو النصّ الفلسفي خاضعا للُعبة الكتابة مع ما تفترضه من توليد للاستعارات Métaphorisation وفيض للمعاني. لا عجب إذاً أن تغدو الفلسفة عند صاحب «الكتابة والاختلاف» محدَّدة بنتائجها التي تتحقق في الكتابة، فتكون خاضعة، مثل أيّ كتابة، للتدفق الدلالي غير المحكوم، بحيث تستند مفاهيمها إلى مجازات متوارية لا يمكن أن تُتَصوّر خارج المجال النصّي المتحقق.

قد يُردّ على كل هذا بما يذهب إليه دريدا نفسه الذي يؤكد أن الفلسفة إن كانت تكتب، إلا أنها لم تصبح فلسفة إلا عندما نسيت أنها كذلك، لنتذكر بهذا الصدد عبارته في «هوامش الفلسفة»: «إن الفيلسوف يكتب ضد الكتابة. إنه يكتب كي لا يحيد عن الدائرة المتمركزة حول اللوغوس». إن كانت الفلسفة نوعا من الكتابة، فهي إذاً نوع خاص، لأنها تسعى إلى محو أو إخفاء خاصيتها الكتابية. هذا المحو والنسيان يسمح لدريدا بأن ينفصل عن كل أولئك الذين لا يفكرون في الفلسفة إلا بوصفها «مسألة شكل» أو مسألة أسلوب، ويعملون، كما يقول هو، «على رفضها باسم الأدب الشامل».

وعلى رغم ذلك، فلا يمنعنا ذلك من التأكيد بأن الفلسفة، كما يشهد على ذلك «كتاب الفيلسوف» لنيتشه، وقبل أن تكون ممارسة استدلالية أو مفهومية، فهي ممارسة أسلوبية، وأن الفلاسفة الكبار هم بالضرورة أسلوبيون كبار. على هذا النحو، تغدو دراسة فيلسوف مّا قاصرة ما لم تُحِط بممارسته الأسلوبية، تلك الممارسة التي يؤكدها دريدا نفسه في سياق آخر.

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا