• الأحد 02 صفر 1439هـ - 22 أكتوبر 2017م

الفكاهة الخطيرة!

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 12 أكتوبر 2017

لا يخلو التاريخ العربي القديم من كتب وقصص وحكايات الفكاهة التي تناقلها الكُتّاب عبر العصور لتكون شاهدة على وضع اجتماعي وسياسي وإنساني، وهي من العلوم والأخبار التي يهتم بها المؤرخون والعلماء لكونها تعطي الدلائل الزمانية والمكانية لظرف ما فتساعدهم على فهم حال المجتمع وطبعه، ولا يخلو زمن من تاريخ العرب من الشخصيات التي تصنع الفكاهة، وقد تطورت من وقت لآخر، فكانت في الشعر والقصة وفي المحافل والحروب، أما في العصر الحديث فظهرت نماذج كثيرة للفكاهة، كان أبرزها المسرحيات الساخرة، وأشهرها مسرحية «الزعيم» للفنان عادل إمام، والتي كانت من أقوى المسرحيات الناقدة للأوضاع، وكذلك الأفلام والرسوم الكاريكاتيرية، وغيرها من الوسائل والطرق التي تنقل وجهات النظر والمواقف بطريقة السخرية والدعابة، وفي وقتنا الراهن نشاهد ما أحدثته مواقع التواصل الاجتماعي التي أصبحت أداة نقل تفوق في سرعتها كل وسيلة نقل عرفها التاريخ، فهي الفضاء الواسع لكل المجتمعات لنشر كل ما وجه العقل والقلب بنشره.

ولأهمية ما ينشر في مواقع التواصل من فكاهة قد لا يعلم ناشرها مدى خطورتها على المجتمع، ونقف قليلاً مع ما نشرته إحدى مستخدمات برنامج «سناب شات» قبل أيام، حيث كتبت من باب الدعابة تنصح فيها صديقاتها بعدم الاهتمام بالنفس كثيراً من ناحية البدانة والرشاقة، معلقة في نهاية الكلام بأن الرجل مهما كان مظهر المرأة بالنسبة له فإنه سوف يخونها مع امرأة أخرى! معتقدة في كلامها هذا أنها تتحدث عن الحقيقة بطريقة فكاهية، وهذا لهُ جوانب اجتماعية خطيرة، وهو ما دعاني للحديث عن هذا الشأن.

إن تداول هذه الأمور من باب الدعابة والضحك له تأثير على العقل الباطن للمجتمع، فيصبح استهلاك هذه الأفكار أمراً معتاداً، وينعكس هذا على القناعات حتى تتحول بعد فترة إلى قاعدة مجتمعية ثابتة، ومهما كان واقع المجتمع فإنه لا يمكن التعميم أو إطلاق النظرية المطلقة التي تنافي الحقيقة، والتي تساعد في ترسيخ هذا المفهوم، بل وتجر من لا ناقة لهُ ولا جمل نحو هذا الاتجاه، فالإنسان مع بيئته يتماشى وينمو معها ويتغذى من نظريات ومفاهيم محيطهُ فإن كان من حوله يستسهل هذا الجانب كان الطريق إلى الخطأ أكثر سهولة، وبعدها لا يجدي أن ننتقد الخطأ، وقد كنا مساهمين في تعزيزه بطريقة غير مباشرة.

إن الفكاهة والضحك من الأمور التي تسعد الناس وتخلق لهم أجواء المرح بهدف الترويح عن النفس، وهي جانب ترفيهي لا بد منه، ولكن إذا كانت هذه الفكاهة غايتها التأثير على العقل الجمعي، وغرس مفاهيم يعمل المجتمع على نبذها ومعالجتها فإنها فكاهة خطيرة تؤثر على الفكر الاجتماعي.

عبدالناصر أبوعلي

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا