• الأربعاء 03 ربيع الأول 1439هـ - 22 نوفمبر 2017م
  04:08     الحريري أمام المئات من أنصاره: أنا باق معكم ومكمل معكم     

متحف مشرع الأبواب

إيطاليا السِّحر الضّاري

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 09 نوفمبر 2017

د. عزالدين عناية

على نقيض ما يتربّص بالقادم إلى روما بقصد الهجرة من جفاء وازورار، تغوي المدينة الزائر بسحرها الفاتن وجمالها الآسر. وبالفعل تبقى روما، وإن تبدّلت العصور، ذئبة ضارية ساحرة، كما صوّرها الروائي الجزائري الإيطالي عمارة لخوص في روايته «كيف ترضع من الذئبة دون أن تعضّك». ويتمثّل سحر روما في غوايتها الفنية، حيث تختزن المدينة ثروة فنية باذخة على مستوى عالمي. وهي ثروة تعود إلى عصور تاريخية متباعدة، تمتد من العصور القديمة إلى التاريخ الراهن. وتتشكّل أساساً من المعابد والكنائس والمعالم التاريخية والحقول الأثرية والغاليريات الفنية والقصور المهيبة والنقائش. ما أهّل روما لحيازة موضع الصدارة في اختزان التراث البشري. ولكن تلك الثروة الوفيرة، أو بالأحرى ذلك المتحف المنثور الذي يلاقيك حيثما ولّيت وجهك عبر أرجاء المدينة، تقابله ثروة مودعة داخل المتاحف والغاليريات والمحال التاريخية والقصور. وهي عبارة عن مخازن هائلة لثروات فنية متنوعة تتكون من المخطوطات والأعمال الإبداعية والنقائش والمسكوكات والتحف واللوحات وتلامس مجالات عدة. حيث تتشكّل الشبكة المتحفية في المدينة الخالدة، كما يطلق عليها أهلها بافتتان، من سلسلة متنوعة من المتاحف، تمثّل قوة جذب فاعلة للزوار. ففي كل ركن من أركان روما وأحوازها يمكن العثور على أثر موغل في القدم، ما يجعل تلك الحاضرة بمجملها متحفاً فسيحاً يستهوي الزوار.

ولا ريب أن روما المدينة الفنية الهائلة، والتي كما يقول أهاليها «لم تُبن بين عشية وضحاها» حين يلمحون دهشة الزائر، هي نتاج تراكمات عصور، مع هذا ينبغي ألا تكون الشجرة التي تخفي الغابة الفنية الكثيفة التي تقف عليها إيطاليا بوجه عام.

أنّى ولّيت وجهك تحاصرك الروائع

حيث تضمّ إيطاليا 4976 متحفاً ومعْلَماً يضاهي المتحف، تتوزع بين عامة وخاصة. ومن جملة تلك المؤسسات نجد 4158 متحفاً وغاليري ومقراً لمجموعة خاصة، فضلا عن 282 فضاء أثرياً و536 معلَماً ومركَّباً أثرياً. وبحسب الإحصاء الذي رعته الوزارة المعنية تتوزع المؤسسات المتحفية بنسبة 1،7 متحف أو مؤسسة شبيهة ذات طابع متحفي على كل 100 كلم مربع، أي بما يعادل مؤسسة لكل اثني عشر ألف ساكن تقريباً. وتحتضن كمونة (بلدية) من ثلاث كمونات في إيطاليا متحفاً ويبلغ عدد الكمونات الإجمالي 2246 كمونة. هذا وقد سجّل التوافد على المؤسسات المتحفية وشبه المتحفية والمؤسسات الفنية، خلال العام المنقضي، رقماً قياسياً بلغ 115 مليون زائر، أي بزيادة ستة بالمئة؛ لكن يبقى تركز الزائرين في ثلاث محافظات رئيسة هي لاتسيو التي تشمل روما، وكذلك محافظتا توسكانا وكامبانيا. لتحافظ متاحف لاتسيو على أعلى نسبة في جذب الزوار بعشرين مليون زائر، تليها محافظة كامبانيا بثمانية ملايين، ثم محافظة توسكانا بستة ملايين. هذا وقد أورد وزير الثقافة الإيطالي داريو فرانشيسكيني في تعليقه على تقرير صادر عن الوزارة أن عدد زوار المتاحف الإيطالية وحدها قد حقق رقماً قياسياً خلال العام الفائت بما يعادل 46 مليون زائر، وهو ما لم يشهده تاريخ إيطاليا، جراء إصلاحات تشريعية وترسانة قانونية تم سنّها في الفترة الأخيرة، بما وفّر حصيلة مداخيل بلغت 175 مليون يورو.

فالثروة الثقافية والفنية تبقى من أبرز ذخائر الدولة الإيطالية، ولعل ذلك ما رسّخ في التقليد السياسي تسمية «وزارة الثقافة» بـ«وزارة الثروة والأنشطة الثقافية». حيث تضم إيطاليا 49 موضعاً مصنَّفاً ضمن قائمة «التراث العالمي» (world Heritage) تتعهده اليونسكو بالرعاية، بما يجعل إيطاليا تتصدّر قائمة الدول الحائزة على أكبر عدد من مواقع التراث العالمي. فهي تضمّ أوفر عدد من المواقع قبل الصين (45 موقعاً)، وإسبانيا (44 موقعاً)، وبما يجعل إيطاليا الأولى عالمياً من حيث حيازة المواقع المدرَجة ضمن قائمة التراث العالمي. وبالتالي يكون في إيطاليا 16،3 موقع على كل 100 ألف كلم مربع، قياساً بالمملكة المتحدة التي تضم 11،4 موقع، وألمانيا التي تضم 10،6 موقع.

ويفيد الموقع الرسمي لمنظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة (اليونسكو) بأن من جملة 936 موقعاً مصنَّفاً ضمن مواقع التراث العالمي، والتي تتوزع بين مواقع ثقافية (725) وبيئية (183) ومختلطة (28)، تحوز إيطاليا 47 موقعاً معترفاً به (من بينها 44 موقعاً ثقافياً و3 مواقع بيئية) بما يجعلها تحوز نسبة مئوية عالية تبلغ 5،02 بالمئة من جملة المواقع العالمية. ما يؤهل إيطاليا لحيازة المرتبة الأولى في مواقع التراث العالمي ويجعلها من ضمن مجموعة الدول الأعلى تأثيراً في المجال الثقافي على نطاق عالمي، إذا ما نظرنا إلى ثراء الأنشطة الثقافية والفنية وطابعها العالمي. ... المزيد

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا