• السبت 27 ربيع الأول 1439هـ - 16 ديسمبر 2017م

حتى الآن لا أرى تقييماً موضوعياً للأزمة في سوريا سوى أنها تحولت من الموضوع إلى الذات، ومن الفكرة إلى الشخصنة. والتمترس الآن ليس حول الدستور أو الإصلاح السياسي أو الأفكار، ولكنه حول ضرورة رحيل الأسد..

القلب الموجوع.. بين الذات والموضوع!

حجم الخط |


تاريخ النشر: الأربعاء 06 ديسمبر 2017

محمد أبو كريشة*

لعن الله الشخصنة، فهي آفة عربية مقيتة منذ قديم الزمان. الشخصنة أفسدت كل شيء في هذه الأمة. أفسدت السياسة والاقتصاد والدين، وقد قال الله تعالى: (... وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُوا...)، «سورة المائدة: الآية 8».. والمقصود بالعدل هنا أوسع بكثير من العدل في القضاء.. فهو يعني أيضاً العدل في الرأي والموقف.. وعدم ربط المواقف والآراء بحب شخص أو أشخاص أو كراهيتهم، نحن نضيق واسعاً وتعمى بصائرنا وأبصارنا حين نبني مواقفنا وآراءنا على حب أو كراهية أشخاص. الشخصنة هي سبب التعصب وتكاثر المذاهب والملل والنحل والفرق. فنحن نرفض شخصاً لا فكراً، ونحب شخصاً لا فكراً. ونتبع من يقول لا ما يقال. لا يعنينا الحق أو الباطل، ولكن يعنينا الناطق بهما.. فالباطل حق إذا قاله من نهوى ونحب، والحق باطل إذا قاله من نكره ونمقت. والخلافات بين العرب ليست في الرأي، ولكنها خلافات حول أشخاص. ومنذ الفتنة الكبرى أيام سيدنا عثمان، رضى الله عنه، بدأت شخصنة الإسلام، وصار الخلاف أو الصراع قبلياً بين بني أمية وبني هاشم، ثم كان شخصياً بين أنصار علي وأنصار معاوية، رضي الله عنهما، حتى صار هذا مثلاً سائراً. فيقال: فلان اتخذ هذا الموقف كراهية في معاوية وليس حباً في علي، والحق أن الكراهية هي الوقود الذي يحرك آلة الفكر العربية، وليس الحب. وجل المواقف مبنية على كراهية أشخاص، وحتى في الانتخابات العربية لا أحد يقرأ برامج أو يقيم مواقف أو يتفق مع آراء أو يختلف معها. ولكنها مشاعر الكراهية، لذلك يكون التصويت في الانتخابات العربية سلبياً لا إيجابياً. أنا أعطي صوتي لفلان كراهية لفلان المنافس له.. مهما كانت رؤى أو برامج أو أفكار هذا الذي أكرهه... أمر لا يعنيني بالمرة.

وفي كل أمورنا وأفكارنا يكون الشخص حاضراً حتى أننا نسمي الأنصار بأسماء من يناصرونهم كأن يقال: الناصريون.. وحتى الآن لا أحد يعرف ما معنى الناصرية. اختلفنا أو اتفقنا. لكن لا نعرف ما معناها وما فكرها، ولماذا لا تسمى بفكرها لا باسم شخص؟ وعلى هذا الأساس أيضاً انقسمنا في الدين مذهبياً كأن يُقال شيعةً أو سُنة. وقد قال لي أحدهم مرة رواية عن الإمام أحمد بن حنبل، رحمه الله، وكان منتشياً بقوله أو روايته: إن الإمام ناظر الشيعة مرة حول رأى الرسول صلى الله عليه وسلم في المذهب الشيعي فقالوا: لم يكن هناك شيعة أيام الرسول. فقال الإمام: إذن مذهبكم باطل، فقلت لصاحبي: لا أظن أبداً أن الإمام أحمد كان بهذه السذاجة. فقال: سذاجة؟ أي سذاجة؟ هذا ذكاء خارق. قلت له بل سذاجة اربأ بالإمام عنها.. فقال: كيف ؟ قلت لأن الرد الطبيعي والسريع هو: وأيضاً لم يكن هناك سنة على عهد الرسول صلى الله عليه وسلم. لم يكن هناك شيعة ولم يكن هناك أهل سُنة أيضاً. لم يكن هناك سوى الإسلام، لم تكن هناك تلك الأسماء والمسميات التي ما أنزل الله بها من سلطان.. وهي أسماء مرتبطة بأشخاص لا بفكر ولا عقيدة، بل إن الأشخاص الذين ارتبطت بهم يبرؤون إلى الله منها.

والشخصنة أهلكتنا لأنها ابنة الهوى وليست ابنة العقل. فعندما نربط موضوعاً أو قضية بشخص أو أشخاص، فإن حكمنا يكون حكم الهوى وحكم الكراهية بالتحديد. والشخصنة هي التي تجعلنا الآن نتبع مشايخ ودعاة ونلفظ آخرين.. ونتعامل معهم كتعاملنا مع نجوم الفن.. فلكل داعية أو من يسمى عالماً معجبوه وجمهوره تماماً مثل نجوم الفن والرياضة. وقد بلغت الخلافات بين المذاهب السنية نفسها حد الاقتتال في مصر والشام أيام المماليك. فالحنابلة والشافعية والمالكية والحنفية تصارعوا على منصب قاضي القضاة والإفتاء حتى القتال، وحتى شراء المناصب بالمال. واستغلهم المماليك في هذا الصراع أسوأ استغلال. وكذلك فعل العثمانيون من بعدهم. كما فعل ذلك نابليون بونابرت أثناء حملته على مصر والشام.

والصراعات العربية الآن تدور بنفس آلة الشخصنة، وزلازل وعواصف «الخريف العربي» هبت بنفس آلة كراهية أشخاص، حتى صار إسقاط الحاكم المكروه من هؤلاء هو الغابة وليس الإصلاح أو صراع الأفكار.

وحتى الآن لا أرى تقييماً موضوعياً للأزمة في سوريا سوى أنها تحولت من الموضوع إلى الذات، ومن الفكرة إلى الشخصنة. والتمترس الآن ليس حول الدستور أو الإصلاح السياسي أو الأفكار، ولكنه حول ضرورة رحيل الأسد.. نفس شعار «ارحل» الذي كان هتاف الخريف العربي.. «ارحل ولا يهم ما يحدث بعد ذلك».. ارحل ولو تمطر السماء دماً.. وأيضاً لست أدري ولا أفهم معنى كلمة «فصائل المعارضة».. هم يعارضون نظاماً واحداً، وهدفهم يفترض أنه واحد. فلماذا هم فصائل بينهم ما صنع الحداد؟ تماماً مثل «فتح» و«حماس». ما معنى أن يكونا فصيلين متضادين وعدوهما واحد وهدفهما واحد. إذن هي فصائل الشخصنة. كل فصيل التف حول شخص يريد السلطة. والسلطة مطلب شخصي دوماً، وليست مطلباً فكرياً ولا عقائدياً ولا إصلاحياً. الخلاف إذن حول أشخاص لا حول أفكار أو برامج أو آراء. فـ«الحوثيون» يريدون السلطة، وكذلك كان الراحل علي صالح في اليمن، والصراع بين أطراف الانقلابات وما نسميه الثورات في الدول العربية صراع سلطة لا صراع وطني إصلاحي فكري.

وهذه الشخصنة هي التي يسرت على القوى الإقليمية التدخل في الشؤون العربية، فكل قوة إقليمية لديها أتباع نسميهم فصيلاً يتزعمهم شخص ما. ولو كان الصراع والخلاف صراعاً وخلاف رأي وفكر ما تدخلت أي قوة إقليمية وما حمل أحد السلاح. وفي سوريا لن يكون رحيل بشار الأسد هو الحل، بل سيكون بداية مشكلة أعمق وهي صراع الفصائل على السلطة، ولو أن الفصائل اتفقت أثناء الأزمة لكنا تيقنا من أنها ستتفق بعد الحل. لكن الذين اختلفوا وتصارعوا أثناء الأزمة سيتصارعون أكثر على مغانم السلطة بعد رحيل الأسد.. وهذا ما يحدث الآن في ليبيا. صراع سلطة ذهب عنها القذافي ويريد كل فصيل أو فريق الاستئثار بها. إنه باب واسع يحتاج إلى من يفتحه معي، فأنا قلبي موجوع من غلبة الذات على الموضوع.

*كاتب صحفي

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا