• السبت 27 ربيع الأول 1439هـ - 16 ديسمبر 2017م

تقدم في «دبي السينمائي» مؤشراً لتوجهات الصناعة السينمائية المستقلة

عناوين الأفلام.. متى تخبرك بكل شيء?!

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 07 ديسمبر 2017

نوف الموسى (دبي)

«الدهشة» بمفهومها الجمالي هو الحس البديهي لرؤية متكررة لتفاصيل حياتية تصنف عادية، لكنك في كل مره تتفاعل معها مثل المكتشف لها لأول مرة. والسحر يكمن في قدرتك على التعبير عن هذه الدهشة من خلال عمل إبداعي، يضاهي لحظة خلق الصورة السينمائية، التي تعكس المعنى في الوجود الإنساني. بين معرفة كل شيء والجهل بكل شيء تكمن الدهشة، وفي عالم صناعة الأفلام المتوج حالياً في مهرجان دبي السينمائي الدولي 2017، تطرح عناوين الأفلام نفسها للقراءة والمتابعة البحثية لما لها دور محوري في تقديم الفعل المدهش للفيلم ومقاربته مع خيال المتلقي من جهة، إضافة إلى اعتبارها مؤشراً لتوجهات الصناعة السينمائية المستقلة من جهة أخرى، خاصة أن عنوان الفيلم يخبرنا بكل شيء، عندما تستطيع مشاهدته حتى آخر نفس فيه، بمعنى أن قيمة العنوان تزداد بعد مرورك بتجربة وعي داخل الفيلم، كأنه المجهول الذي يؤصل الدهشة لكل مشهد بصري.

أسس الاختيار

يعتمد اختيار عنوان الفيلم على العديد من العوامل الداعمة لإيصاله لأكبر قدر ممكن من المشاهدين، إلا أن عظمته تكمن في أنه لا يقدم إجابة مباشرة، بل سؤالاً يتيح تعددية في التصورات من قبل المتلقي، وضمان تام لحرية تأويل النص البصري. في مهرجان دبي السينمائي هذا العام، تنوعت عناوين الأفلام المشاركة: على سبيل المثال، فيلم «البيداء تعرفني» للمخرج هشام العسري، حملت بعداً شعرياً قد يقتضي ارتباط فعل القصيدة في الفيلم، والمشاهد الذي تابع أعمال المخرج هشام العسري، يدرك تماماً الإيقاعات البصرية التي يجسدها هشام العسري، وتحديداً التحولات الضخمة للشخصيات وصراعاتها، من بين تلك الأعمال ما قدمه في فيلم «هُمُ الكلاب»، فالأخير بحث عن سؤال: من هم الكلاب؟! طوال الفيلم، الذي لقي أثناء عرضه، موجة من التفاعلات حول الكيفية المتقنة لإنجاز تصوير المشهد الباحث عن كل شيء في لحظة ما، ليداهمه بعدها مشهد آخر لا يبحث عن شيء!

ارتباط الإنسان بالطبيعة، متجذر بصورة أكبر إبان عمله على إظهار هذه العلاقة عبر حالته الإبداعية، وبالنسبة لصانع الأفلام، فإن الإخراج إنما هو انعكاس وجودي لبيئته ومخزونه البصري وملاحظاته الآنية للتغيرات في الوعي الفردي والعام في المجتمعات، ويمكن ملاحظة الامتداد التفاعلي من الجزء (الإنسان) إلى الكل (الكون) من خلال بعض العناوين المشاركة في «دبي السينمائي» 2017، من مثل «السماء تصرخ» للمخرج قيس الماجري، وفيلم «شكل الماء» للمخرج غييرمو ديل تورو وفيلم «إلحق الريح» للمخرج غاييل موريل، وفيلم «ولادة» للمخرج عبدالله حسن أحمد. الاقتراب من قصص تلك الأفلام من خلال قراءة ملخصاتها، تفرز بشكل مبدئي مبسط جداً، أن عملية خلق الأحداث والشخصيات مبنية على تجليات قدرية، تفتح مسارات حركة الشخصية في المشهد، يخيل للمشاهد أن المخرج لا يعلم ماذا سيحدث في فيلمه، وأن ما يعرض يعيش مرحلة اكتشاف للمرة الأولى من قبل طاقم العمل، رغم أن كل شيء في تلك الأفلام شهد مراحل طويلة مرت بمئات المسودات والمراجعات وإعادة الكتابة.

اختبار اللحظة

بالنسبة للمتلقي ماذا يعني أن تصرخ السماء، وكيف يمكن أن تمثل علاقة عاملة التنظيف بكائن بحري غريب، في فيلم «شكل الماء»، استدلالاً على الحب والقبول. وفي سياق آخر، يحضر فيلم «آتشامبرا» للمخرج جوناس كارپينيانو، ليطلعنا على قصة تتحدث عن ما يؤرق المراهق پيو أماتو، وهو من غجر «الرُوم» المقيمين في مقاطعة «كالابريا» بجنوب إيطاليا، وحيث تتسيّد مافيا «إندرانغيتا»، التي تُعدّ من أعنف المافيات الإيطالية، وبالنسبة للمشاهد العربي، فإن عنوان الفيلم يقتضي اختبار اللحظة السينمائية في العرض، لاكتشاف ما هو الشيء الذي يعنيه المخرج بـ«آتشامبرا»، سواء على مستوى جغرافي (المكان)، أو على مستوى (الزمن) بالتوازي مع عمر الشخصية الرئيسية، التي تتيح رؤيتك للعالم من خلال عيون «اليافعين» وصراعاتهم الداخلية خلال سنوات البلوغ التي تشكل المرحلة الأكثر حياة وحركة ومجازفة، والمختلفة بطبيعة الحال عن الرؤية الأكثر جموداً وواقعية في مرحلة متقدمة من العمر.

الفيلم الأندونيسي «المرئي واللامرئي»، للمخرجة والكاتبة كاميلا آنديني، المشارك في مهرجان دبي السينمائي، يحمل أبعاداً مختلفة، كونه فيلماً إندونيسياً بالدرجة الأولى، ما يستدرجنا نحو الفضول لاكتشاف ثقافات وعوالم مختلفة، وتعابير وجودية مغايرة، بالمقابل فإن علامة الاستفهام المتموضعة بين المرئي واللامرئي، تستدعي المخيلة الإنسانية، للاطلاع على ما هو أبعد من المنظور العام الذي يتجسد دائماً بالمرئي، فالأخير أحياناً يسود ويخفي اللامرئي، لذلك فإن قيام المخرجة كاميلا آنديني بعرض معتقدات روحية تقليدية في «بالي» عبر الفيلم، واستثمارها لمخيلة الأطفال، كشخصيات في فيلمها، يصور مدى القدرة المتناهية على خلق اللامرئي، من خلال تجاوز المرئي!

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا