• السبت 08 جمادى الآخرة 1439هـ - 24 فبراير 2018م

إنعاش الإسلام

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 08 فبراير 2018

هاشم صالح

أصبحت مشكلة الأصولية المتطرفة الشغل الشاغل للمثقفين الفرنسيين منذ نحو الخمس سنوات فقط، بعد أن كانت الشغل الشاغل للمثقفين العرب منذ عقود أو قرون. وهذا تطور لافت حقاً. ففي الماضي كانت المشكلة تبدو نائية جداً عنهم ولا تخصهم إلا من بعيد البعيد. وكانت الأصولية الإخوانية تعتبر مشكلة العرب والمسلمين فقط. ولكنها الآن أصبحت في الصميم من اهتمامات المثقف الفرنسي والإنجليزي والألماني والإيطالي، بل وحتى الأميركي والكندي، بل والروسي والصيني والهندي الخ.. باختصار شديد: لقد أصبحت مشكلة العالم كله. وهذا خبر مهم بالنسبة للمثقفين العرب والمسلمين ككل.. لماذا؟ لأنهم عاجزون وحدهم عن مواجهة مشكلة ضخمة كهذه، أو حتى تشخيصها كما يجب، ناهيك عن إيجاد العلاجات والحلول. الآن أصبح هناك أناس آخرون مهتمون بقضيتهم كل الاهتمام. وهؤلاء الأشخاص ليسوا نكرات. إنهم كبار مثقفي العالم المتقدم الأوروبي - الأميركي.

ضمن هذا السياق نلاحظ أن مجلة «عالم الأديان» الصادرة عن جريدة (اللوموند) الفرنسية تقدم إسهامها في هذا المجال من وقت لآخر، بل وفي كل وقت تقريبا. فعددها الأخير الذي دشن العام الجديد 2018 كان مكرساً كله تقريباً لموضوع إنعاش الإسلام. والمقصود بذلك تجديد الفكر الإسلامي بغية مواجهة تيارات التطرف والظلام المهيمنة حاليا. ومن حسن الحظ أن المجلة أوكلت مهمة التجديد في معظمها للمثقفين العرب الناطقين بالفرنسية أو العارفين بالأجواء الثقافية والجامعية الباريسية. وكان من بينهم، أو في طليعتهم المفكر التونسي العياض بن عاشور الذي أدلى للمجلة بمقابلة مطولة. ومعلوم أنه أحد الشخصيات التنويرية الكبرى في تونس. كما أنه عضو في لجنة الأمم المتحدة لحقوق الإنسان. والأهم من ذلك أنه أحد آباء الدستور التونسي الجديد الذي اعترف بحرية الضمير والمعتقد لأول مرة في العالم العربي. وله كتب قيمة تتركز على تجديد الفكر الإسلامي من النواحي الثقافية والقانونية والسياسية.

ويرى هذا الباحث أن الفكر النقدي الحر في الإسلام كان موجودا على مدار العصور، ولكن المشكلة هي أن التيار الظلامي غطى عليه وطمسه إلى درجة أن الناس في الغرب ما عادوا يرون غيره. بل وأصبحوا يعتقدون أن الإسلام هو داعش وداعش هو الإسلام! وهذه كارثة حقيقية لأن التراث الإسلامي العظيم ضخم جدا. إنه بحر متلاطم الأمواج من التيارات والشخصيات ولا يمكن اختزاله إلى تيار واحد. ولذا ينبغي علينا تعريف الآخرين بالوجه المضيء من تراثنا العربي الإسلامي. وعلى هذا الوجه المضيء يذكر العياض بن عاشور عدة أمثلة مشهورة كالمعتزلة، وابن رشد، وابن الطفيل، وابن باجة، والمفكرين الإصلاحيين في القرن التاسع عشر كجمال الدين الأفغاني ومحمد عبده بالإضافة إلى التيارات الكمالية والبورقيبية. ولكن كان هناك تيار آخر يتصدى لهذا التيار العقلاني المنفتح هو التيار الظلامي المتمثل بالجماعات السلفية والاخوان المسلمين. وعنهم تولدت حركات التطرف التي تشغل العالم حالياً كداعش والقاعدة، الخ.. وهذه الحركات المتطرفة العمياء تريد التطبيق الراديكالي للقانون الديني القديم بكل حرفيته دون أي تأويل أو تطوير. كما وتريد منع الاختلاط في المدارس والجامعات بين الذكور والإناث. وتتميز هذه الحركات أيضاً بالكره الشديد للمرأة، والفن، والشعر، والموسيقى، والغناء، والحياة ككل.

ثم يطرح المفكر التونسي هذا السؤال الأساسي: لماذا لم تنتصر فكرة الحرية التنويرية في العالم العربي والإسلامي كله على الرغم من تعميم التعليم الحديث على المواطنين وانتشار الأفكار الجديدة ونهوض الجامعات وكل تيارات الإصلاح الديني؟ ويقول بكل أسف بأنه لا يملك جوابا على هذا السؤال. ولكنه يضم صوته إلى صوت المفكر التونسي والمحلل النفساني المعروف فتحي بن سلامة الذي يقول: ما ينبغي أن نفكر فيه ونحصل عليه هو الحرية الكاملة أو الخلاص الكامل من دون تقديم أي تنازلات للمتطرفين الظلاميين. وهذه الكلمات القلائل تمثل مشروع كل التنويريين العرب من المحيط إلى الخليج.

معضلة الإسلام السياسي

أما المفكر التونسي الآخر محمد الحداد أستاذ علم الإسلاميات والأديان المقارنة في جامعة قرطاج فقد صرح للمجلة قائلاً، ما معناه: يخطئ الغربيون الذين يظنون أن الإسلام غير قابل للإصلاح. والدليل على ذلك أن محمد عبده وضع أسس هذا الإصلاح منذ القرن التاسع عشر. ولكن المشكلة هي أن التيار المهيمن على الإسلام حاليا هو تيار الإسلام السياسي. ثم يوجه محمد الحداد كلامه للفرنسيين قائلاً ما معناه مع بعض التصرف في التعريب والشرح من قبلنا: تقع على كاهل الأوروبيين والغربيين عموماً مسؤولية كبيرة في هذا المجال. ينبغي أن يلعبوا دورهم في تجديد الإسلام وإصلاحه لأنه توجد على أراضيهم جاليات إسلامية ضخمة. وبالتالي فمن مصلحتهم أن تكون متنورة عقلانية لا اخوانية ظلامية. فالمشكلة أصبحت مشكلتهم أيضا ولم تعد مشكلتنا نحن فقط. ولكنهم لا يفعلون شيئا يذكر حتى الآن. والدليل على ذلك أن المفكر الجزائري الكبير محمد أركون كان قد اقترح في نهاية الثمانينيات تأسيس كلية لتعليم اللاهوت الإسلامي على الطريقة التاريخية والفلسفية الحديثة تماما ككليات اللاهوت البروتستانتي والكاثوليكي. ولكن لم يستمع إليه أحد. ولهذا السبب فلا يزال التعليم التقليدي للدين الإسلامي مهيمناً حتى في فرنسا العلمانية الحداثية ذاتها! فما بالكم بالعالم العربي أو الإسلامي؟ لو قبلوا بتأسيس هذه الكلية التجديدية التنويرية لتخرجت أجيال من كبار الباحثين في علم الإسلاميات. بل ولكان ممكنا الاستفادة منها لتخريج العشرات من أئمة الجوامع المتنورين المنفتحين على الحداثة والعصر. ولكانوا قد حلوا محل مشائخ الإخوان المسلمين والسلفيين الذين تشتكي منهم فرنسا حاليا لأنهم يبثون الأفكار الداعشية المتطرفة في أوساط الجالية. فمتى يدرك الفرنسيون أن مصير الإسلام ومصير أوروبا أصبح واحداً؟ انهما مرتبطان بشكل لا ينفصم. فإما أن نغرق معاً وإما أن ننجو معا. ولذا فبانتظار أن ينتصر التعليم التنويري الحديث للدين الإسلامي على التعليم القروسطي القديم فان الجماعات الظلامية السفلية أو التحتية سوف تستغل الوضع وتسيطر على الفضاء الإسلامي كله. ... المزيد

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا