• السبت 08 جمادى الآخرة 1439هـ - 24 فبراير 2018م

أثر الجنوب في الشمالي هانز كريتسيان أندرسن

رحلة إلى «شرق الطفولة»

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 08 فبراير 2018

نجم والي

إذا كان الشرق أو الجنوب ترك أثراً على كاتب من شمال الأرض، فإنه لم يؤثر بمثل هذا الوضوح، مثلما أثر على الدانماركي هانز كريستيان أندرسن، فالكاتب المولود في مدينة أودنسة الدنماركية في 2 أبريل 1805، والذي يُعد واحداً من الكتاب البارزين في كتابة الحكاية الخرافية، وشاعر الدانمارك الوطني، كان قد بدأ اهتمامه بالشرق وعالمه الخيالي منذ وقت مبكر، فهو ورغم كونه كتب في مختلف حقول الأدب كالرواية، والنص المسرحي، والشعر، غير أن موهبته تجلت، أكثر ما تجلت في مجال الحكايات الخرافية التي برع في كتابتها، ليس القصص الخرافية التي سمعها عندما كان صغيراً وحسب، والتي اشتغل عليها لاحقاً بأسلوب بسيط وصبها في قالب الحكاية الشعبية، بل وضع الشرق دائماً نصب عينيه، كأن القص الخرافي الذي تميز به، لم يكن كافياً لإشباع خياله المشبع بالحكايات.

اهتمام أندرسن بالشرق تجلى أولاً بإصداره مخطوطات نثرية بعنوان «كتاب مصور بدون صور» مستوحى من ألف ليلة وليلة، بعد أن كان اصدر بضعة أعمال روائية ومسرحية، ومجموعة من القصص الخرافية أهمها «حورية البحر الصغير» التي يعدها الخبراء بأدبه، نقطة انطلاقته الفنية، إلا أن ولعه بالشرق الذي سنعرفه من قراءة يومياته أثناء رحلته التي سيقوم بها إليه، جعله يتوق إلى تحقيق حلمه بزيارته، كما سنعرف أيضاً، أن صاحب «ابن البط القبيح»، كان يشعر في قرارة نفسه، بأنه أكثر ميلاً للعيش في الشرق منه إلى العيش في عالمه، «العالم الألماني الدانماركي الممل»، كما كتب في يومياته، وكأن الكاتب الاستثنائي هذا، تنبأ مسبقاً، أن رحلته إلى الشرق، ستشكل بالفعل علامة فارقة وتحولاً كبيراً في حياته الأدبية والشخصية، إذ لا يتحول هو وحده بعد عودته مباشرة إلى كاتب قصص خرافية وأساطير بلا منازع وحسب، بل ستغرف قصصه الخرافية في شكلها ومضمونها الكثير من أسلوب القص الشرقي وسحره.

الطريق إلى القسطنطينية

في يوم الاثنين 29 مارس 1841 يبدأ هانز كريستيان أندرسن أولاً بسؤال نفسه في يومياته (سنعتمد هنا ترجمتها الألمانية الصادرة عن دار فالشتاين في غوتنغن)، إذا كان عليه أن يشرع بالفعل برحلته إلى القسطنطينية أم لا، كان حينها ما يزال في أثينا، وكان ترك وراءه آلاف الكيلومترات بعد أن بدأ رحلة بدأت في هامبورغ آلتونا عبر المانيا وإيطاليا ثم طريق البلقان وحتى أثينا اليونان، تردده أو خوفه من الرحلة حمله على الذهاب إلى هانزن أحد أصدقائه المقيمين في أثينا، ليسأله المشورة، ليتعرف عنده على بوبة الذي سيشجعه مباشرة على القيام بالرحلة. لم يكن أندرسن مرتاحاً في أثينا، فبعد جولة قصيرة في المدينة، سيكتب بجزع: «اليونانيون كلهم محتالون» (ص166)، وهذا ما يشجعه على اتخاذ قراره بالسفر إلى القسطنطينية في الثاني من أبريل 1841، بعد أسبوع سيحاول الصعود إلى سطح السفينة الذاهبة إلى القسطنطينية، لكنه يفشل، لأن السفينة تغادر الساعة الرابعة صباحاً، لكن بعد ثلاثة أسابيع بالضبط، في 22 أبريل 1841 ستتحول الرغبة إلى حقيقة، ليصعد أندرسن على سطح السفينة البخارية الفرنسية «رمسيس»، والتي صعد عليها أيضاً حشد كبير من اليونانيين واليونانيات الذاهبات إلى مدينتهم سميرنه (إزمير).

من يقرأ المرحلة الأولى من رحلته يفهم سبب خوفه، كانت السفينة تتمايل وتخرج صريراً، وكانت تشق طريقها بصعوبة، والامخار كان صعباً، أما النساء المسافرات على سطح السفينة فكن يصرخن طوال الوقت، أما هو فلم يخرج حتى إلى سطح السفينة، وعندما خرج في الساعة السادسة لم يستطع الوقوف، كان يتمايل مع السفينة، كان مصاباً بالدوار البحري، إلى درجة أنه فكر بالموت وبأحبته في بلاده، بل فكر، أن تلك ستكون رحلته الأخيرة، ولم يطمئن إلا بعد ساعة ونصف، عندما سيلوح أمامهم مرفأ سميرنه، والبحر بمياهه الخضراء الداكنة، وكان أول انطباع يسجله: «سواحل آسيا تشبه سواحل صقلية، لكنها أكثر فخامة»، وعندما ترسو سفينتهم، يغادرها إلى المدينة الواقعة عند أقدام الجبل الأخضر، مع شاب إيطالي وآخر فرنسي، «الشوارع ضيقة تشبه شوارع البندقية، حشد كبير من الناس، تركيات يرى المرء منهن الأنوف المدببة والعينين فقط، متشكلات على شكل القدور السوداء في يوتلاند، عبر صحون البيوت يقود ممر إلى البحر. المدينة تبدو كبيرة جداً»، يكتب أندرسن انطباعاته الأولى، قبل أن يلفت نظره الشاب الفرنسي إلى القنصل الدانماركي، مونسيو جونغ، «ربت على كتفه، فنشأت الصداقة مباشرة. كان على أهبة الصعود إلى السفينة البخارية التركية في طريقه إلى القسطنطينية». استراحة قصيرة في المقهى ثم العودة إلى السفينة، في الساعة الواحدة والنصف تنطلق بهم السفينة في طريقها إلى القسطنطينية «قارب كبير مليء بالأتراك الذين سيقودون السفينة، بدوا مثل موكب جثث من روما» ثم يرى في طريقه «ميتيلينة. قمة قبر آخيل على سهل ترويا».

في يوم الأحد، 25 أبريل 1841 الساعة الخامسة ترسو السفينة في القسطنطينية «جو غائم، القسطنطينية ضخمة وفانتازية. جامع فخم إلى جامع فخم آخر، شجرات سرو عالية داكنة. السراي واضح وسابح في الضوء، فيما برزت الشمس على القبور عند السواحل الآسيوية. رمينا مرساة السفينة بين غالاتا والقسطنطينية». وما أن يتجول في المدينة حتى نقرأ المفاجأة: «أي منظر! القسطنطينية تذكر، أكثر من كل المدن الأخرى، باستكهولم». ... المزيد

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا