• الأربعاء 07 رمضان 1439هـ - 23 مايو 2018م

قصائد تخدش وجه العالم

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 08 فبراير 2018

إعداد وتقديم: عماد فؤاد

ماذا لو عاد آدم من جديد إلى الأرض بعدما تغيّر كل شيء، لم تعد المسافات مجرد صفحات مفرودة على البكارة، ولم تعد الجبال على حالها القديم حين كانت لا تزال محتفظة بكنوزها وأسرارها الدفينة، حتى الأنهار نسيت منذ ملايين السنين كيف شقّت مجاريها وسط الصخور التي كانت أسنّتها الحادّة تلمع تحت الشمس: «لم أجلب ماءً من بئر/ ولم أوقد ناراً في غابة»، هكذا يفتتح المغربي عبد الرحيم الخصّار قصيدته المجتزأة من مشروع أكبر سيصدر قريباً تحت عنوان «عودة آدم»، يحاول فيه أن يشهد آدم على حياتنا الراهنة، بكل ما فيها من خلل وفجوات بين الطبيعة والإنسان.

وتقدم لنا الكاتبة الأردنية هيفاء أبو النادي نصاً يظل يحوم بين زهرتي الشعر والنثر دون أن يحطّ على أيٍّ منهما: «سأرتادُ مدنَكَ التي تعرفُكَ، وأراقبُ سماءً ظليلةً لطالما غَشِيَتْكَ رحمةُ غيومِها ساعةَ تفرُّ العاصفةُ إلى الهواء الطريِّ وترتديه مثل مُرتادي الحفلاتِ التنكرية. تتنكَّرُ العاصفةُ بالهواء، فتحميكَ «لهفةُ قلبي عليكَ» من شرورِها ساعة الصَّحْوِ والغفوة. وفي تقلُّبِ الوقتِ بينهما، أعودُ إليَّ وتعودُ إليكَ، ويسقطُ كلانا داخلَ ما لا يُرى».

وفي «تلويحات يوم ساخن» يوقفنا السعودي عبد الوهاب العريّض أمام نتف شعرية سريعة في شكل تلويحات خاطفة، حيث الرائحة: «خرجتْ من فوّهة الوردة/ اخترقت جدار الصوت وحاجز الورق/ استقرّت على الطاولة/ فيما قلب حبيبتي نائمٌ في كتاب». هذه الرائحة التي تطوف في الهواء نجدها تتجسد في نصوص البحرينية جنان العود في شكل رؤى فلسفية ذات طابع تأملي، هي التي تقول عن الجسد: «يتنعّم ويتجعّد، يسمن، ينحف، يتنفّس، يشتهي، يتعرّق، يعطش، يذوي، ويعرف كل النبوءات معرفة جيدة، ولا من حاجة مُلحَّة لأن تخيفوه، أو تلقنوه درساً.. يعرف جيداً كيف سيغدو كتلة تائهة من الرمل والديدان، وفي معامل الرمل المُعالج سيُحمل على الرافعات ليساهم في عمليات الإعمار.. كيف ستتناقله الرياح بلا رحمة لأماكن لم يشهدها من قبل، حتى إنه قد يزور بلداناً مجاورة لم تسنح له الفرصة لزيارتها حياً». وفي قصيدته الشفيفة «صباح كغيره»، يدخلنا الشاعر المصري عاطف عبد العزيز إلى مشهد ربما نراه يومياً في حياتنا، لكننا لا نتوقف لحظة أمامه: رجل يعبر صالة بيته فيرى زوجته غارقة في الأعمال المنزلية، ليبدأ التفكير في حياتها كيف كان يمكن أن تكون: «كَانَ بِوسعِها لو فَكَّرَتْ قلِيلاً/ أن تُدبِّرَ لِكِلينا مقعَداً بمقْصُورةِ الخَالِدين».

نصوص هذه الحلقة تصاحبها كذلك لوحات التشكيلي المصري الكبير عادل السيوي (1952)، الذي قدم عبر تاريخه الطويل أعمالاً لا تزال تثبت جدارتها يوماً بعد يوم، السيوي أحد التلامذة النجباء للفن الفرعوني القديم، لكنه في لوحاته الأخيرة، وبعد رحلة طويلة مع فن البورتريه، يقدم لنا تنويعات حداثية للحيوانات، كأنه في رحلة استكشافه للجسد الحيواني، الذي يتجسد تارة في الثور أو الحمار أو السمكة أو غيرها، يعيد السيوي تقديم منظوره الشخصي للهيكل الحيواني من جديد في أعماله الأخيرة، هذا الهيكل ذاته الذي نتلبسه ـ نحن البشر ـ أحياناً كثيرة، متفوقين على غريزة الحيوان الكامنة ـ لا تزال ـ داخلنا، في العنف والدناءة والشراسة.

في حُبِّ مُدُنِكَ

هيفاء أبو النادي ... المزيد

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا