• السبت 08 جمادى الآخرة 1439هـ - 24 فبراير 2018م

مقطعٌ من الرواية:

رسالة غريبة.. وامرأة غريبة.. وعربيّ عجوز

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 08 فبراير 2018

كانت البراكين تثير غضبها. التحدّث عن هذا البركان أعاد إلى ذهنها أحد مشاهد طفولتها. كانت على متن سفينة مع والديها، ذاهبين من الإسكندرية إلى جنوة. في وقتٍ مُبكّرٍ من الصباح طرق والدها باب المقصورة، حيث كانت تنام ووالدتها، داعياً كليهما بحماس للصعود إلى سطح السفينة. نائمتان أكثر منهما مستيقظتين وصلتا إلى هناك ليجداه يشير بقوة إلى سترومبولي. كان الجبل ينفثُ الدخان واللافا تتدفّق على جوانبه، وقد صار لونها قرمزياً بالفعل بفضلِ بزوغ الشمس. حدّقت والدتها للحظة، ثم في صوت كان أجشّ من الغضب صاحت بكلمة واحدة فحسب: «مُقرف!» واستدارت إلى الخلف وأخذت معها يونيس. باستعادتها للمشهد الآن وتذكّره، وعلى الرغم من أنه لا يزال باستطاعتها رؤية وجه والدها الحزين المكتئب، لكنها شاركت والدتها استياءها وسخطها.

تمدّدت على ظهرها، أغلقت عينيها، وفكّرت قليلاً. في الوقت الراهن فتحت عينيها مجدداً وكتبت: «ثمّة شيء في العقل البشري السخيف يستجيبُ على نحوٍ جميل لفكرة الندرة، لا سيما ندرة الظروف القادرة على إنتاج ظاهرة بعينها، كلما كانت احتمالات حدوث الشيء قليلة، فإنه يبدو أكثر روعة عندما يحدث، بصرف النظر إلى أي مدى كونه غير مفيد أو ضارّ. إن حقيقة كونه قد حدث رغم الصعاب يجعل منه حدثاً ثميناً. لم يكن له الحق في أن يقع، ومع ذلك فقد وقع، وليس على المرء سوى أن يُعجب وهو مغمضُ العينين بسلسلة الظروف التي جعلت أو كانت السبب في أن يتحقّق المستحيل بنجاح».

عند قراءتها للفقرة، لاحظت بارتياح بعض الشيء أنها كانت تقصد البركان، وأنه كان لها تأثير واضح أيضاً على حياتها الشخصية في تلك اللحظة. كانت لا تزال متهيّبة ومرعوبة مما بدا لها أنه تسلسل لا يصدق من الصُدف التي أتاحت لها بغتة إمكانية أن تكون سعيدة. شيء غريب كان قد حدث لها قبل أسبوعين تقريباً. كانت قد استيقظت ذات صباح مُشرق واتخذت قراراً بالقيام بممارسة رياضة يومية من نوع ما. (كانت تتخذ دائماً قرارات بشكل ما أو آخر، وكانت واثقة أن كلاً منها كان من شأنه تثوير حياتها). ستكون الرياضة مُحفزاً أو مُنشّطاً ذهنياً وستساعدها على معالجة الصور السلبية بذهنها. وبناء عليه فقد ارتدت بنطالاً قديماً فضفاضاً، كان صغيراً جداً حول خصرها ويُغلق بصعوبة، وانطلقت إلى قمّة «القصبة». مضت عبر البوابات الكبيرة مُستعينة بعصاها، هبطت الطريق المُنحدر إلى الشاطئ الطويل بالأسفل حيث لا يستحمّ سوى العرب فقط.

من هناك مشت على امتداد الشاطئ حتى الغرب، على امتداد سفح مباني القصبة الواطئة، وعَبَرت المنطقة، حيث كانت تصبّ كل المجاري وبدت النتانة كأنها كائنٌ صلب في الهواء، إلى شاطئ صخري بعيد كان مهجوراً بدرجة أو أخرى. وهناك، أوقفها صيادٌ عربي عجوز، يحملُ أمامه قطعة صغيرة من الورق، وسألها بجدّية بالغة، بإسبانيته العرجاء، أن تقرأ له ما كان مكتوباً فيها.

جاء فيها: «يُرجى ممن عثر عليها الاتصال بحضرة المحترم «سي. جيه، بورنيت»، 52 شارع أشورست، شمال فينشلي، لندن، إنجلترا. 12 أبريل، 1949». قامت بترجمة المطلب، بما في ذلك العنوان، ولم تستطع أن تُمسك نفسها عن السؤال من أين حصل على تلك الورقة.

«زجاجة في الماء»، أجاب، مُشيراً إلى الأمواج الصغيرة التي تكسّرت بالقرب من أقدامهما. ثم سألها عمّا يجب عليه فعله. «اكتب رداً للرجل، إذا أحببت»، قالت، بينما همّت بالمُضي: نعم، قال الرجل العجوز مُتأمّلا، حاكاً جبهته، يجب عليه أن يكتب له، بالطبع. لكن كيف، في حين أنه ليس باستطاعته الكتابة؟ «صديق»، قالت. نظر إليها مُتفحصاً وبصوت متردّد سألها إن كانت ترغب في القيام بهذا. ضحكت. «أنا ذاهبة للتمشية»، قالت. مُشيرة إلى الشاطئ بعيداً عن المدينة. «ربما عندما أعود». وبدأت السير مُجدداً، تاركة العجوز واقفاً هناك، ويُمسك بقطعة الورق الخاصة به، ويحدّق فيها وهي تسير.

كانت قد نسيت ما جرى في الوقت الذي بلغت فيه نفس البقعة أثناء عودتها، لكن هناك كان الصياد يجلس على أسماله فوق صخرة، ينظر نحوها بتلهف بينما كانت تقترب. «ستكتبينه الآن؟» قال مُستفسراً. «لكن ليس لديّ ورقة»، قالت مُعترضة. كانت هذه بداية سلسلة طويلة، حيث تبعها من على مسافة بضع خطوات، طوال طريق العودة على امتداد الشاطئ، صعوداً إلى التل، ثم عبر القصبة، ومن بقّال إلى آخر، في رحلة بحث ٍعن مظروف وفرخ ورقي.

عندما عثرا أخيراً على متجر كان بمقدوره تزويدهم بالمظروف والفرخ الورقي، حاولت أن تدفع مقابلهما، لكن العجوز وضع بفخر نقوده المعدنية على الكاونتر وأعاد إليها نقودها ثانية. عندئذ فكّرت في أن الحدث برمته بدا ممتعاً، وسيخلق قصة مُسلية تحكيها لأصدقائها. لكنها شعرت بالحاجة أيضاً إلى مشروب فوري، ولذا رفضت دعوته للدخول إلى مقهى عربي في الجوار لتناول الشاي، موضحة أنه يجب عليها الجلوس في مقهى أوروبي كي تكتب له الرسالة على نحو لائق. «أهناك واحد قريب من هنا تعرفه؟» سألته، آملة ألا يكونا بحاجة للجوء إلى أحد المقاهي في السوق الكبير، وللوصول إليه سيتعيّن عليهما هبوط شوارع مُنحدرة ونزول درجات لا تنتهي. قادها على امتداد أزقة ضيقة للغاية، حيث كانت الظلال ناعمة بعد شمس منتصف النهار، إلى مكان صغير حقير يدعى «حانة لو سيفر». جلست امرأة بدينة للغاية خلف الكاونتر تقرأ مجلة سينمائية فرنسية. طلبت يونيس الجِن، والرجل العجوز الـ«كازوزا». كتبت الرسالة بسرعة، بضمير المتكلّم، مُفيدة أنه قد تم العثور على الزجاجة في مكان قرب طنجة، وأن الرد كُتِبَ بناء على المطلب بالورقة، ومضت باسم عبد القادر بن سعيد بن مختار، وكتبت عنوانه. بحرارة شكرها الصياد مراراً وانطلق ليبعث بالرسالة، بعدما أصرّ أولاً على دفع ثمن الكازوزا، لكنها على أية حال بقيت بالمكان، وطلبت المزيد والمزيد من الجِن.

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا