• الأربعاء 25 جمادى الأولى 1438هـ - 22 فبراير 2017م

المؤسسات العسكرية.. تنظيم الإدارة وأساليب القيادة

تاريخ النشر: الجمعة 06 يناير 2017

ليست المؤسسة العسكرية مجرد منظمة مثل سائر المنظمات، وإنما هي مؤسسة ذات وجهين، أولهما يتعامل مع أوقات السلم «الباردة» والظروف الاعتيادية، فتصبح أشبه بالمؤسسات «التقليدية»، وثانيهما يعمل في الظروف «الساخنة» خلال الأزمات وعمليات حفظ السلام والحروب المعلنة. وفي ظروف كهذه، تمتلك المؤسسة العسكرية سلطة استخدام العنف بالنيابة عن الدولة، وإلزام الناس بفعل أشياء قد لا يفعلونها في غياب دور هذه المؤسسة وتعليماتها. وفي الكتاب الذي نعرضه هنا، «إدارة المؤسسات العسكرية.. النظرية والتطبيق»، يشدد مجموعة من الباحثين وإخصائيي العلوم العسكرية على فكرة مفادها أن ممارسة الإدارة والتنظيم أهمّ بكثير من الإدارة والمنظمات. لذلك يتتبع الكتاب تدفق الأحداث والقرارات والأفعال التي تقع ضمن منطق ما يسمى «دورة التخطيط والتحكم»، وهي دورة أنشطة، تبدأ بعمليات التوجيه الخارجي والتخطيط الاستراتيجي، تعقبها عملية التنسيق الداخلي والاستعداد أو «التأهب»، ثم عملية الإنتاج والتسليم أو «الفعل الحقيقي» (بمصطلح المؤسسة العسكرية).. لتنتهي برصد الفعالية والنتائج.

وفي 480 صفحة من الحجم الكبير، تتوزعها 20 فصلاً في أربعة أقسام، يستعرض هذا المؤلَّفُ باستفاضة أهم الخصائص التنظيمية والإدارية للمؤسسة العسكرية الحالية، ويناقش بتعمق فكرته المركزية متمثلة في أن العنف جزء من جوهر عمل المؤسسة العسكرية، ومن ثم يشكل التحكم فيه والتعامل معه تحدياً ينبغي لهذه المؤسسة مواجهته.

وفي القسم الأول، يركز الكتاب اهتمامه على الجوانب السياقية والخارجية والاستراتيجية للمؤسسات العسكرية، ويستهله بفصل يركز على المشهد والبيئة اللذين قد يتعين على هذه المؤسسة ممارسة مهماتها فيهما حالياً. ففي ظل الانتفاضات والاضطرابات التي ما برحت تندلع في ما يسمى «الدول الفاشلة» في آسيا وأفريقيا، علاوة على وجود الشبكات الإرهابية النشطة، تحتاج المؤسسات العسكرية المعاصرة إلى الرد على هذه التطورات تحت درع تحالفات دولية، من قبيل «الناتو» والاتحاد الأوروبي، على سبيل المثال. ويتطرق الفصل التالي إلى «الشرعية والمراقبة»، مركِّزاً بصفة خاصة على أنماط الرقابة الخارجية المتغيرة، مع الاهتمام بدور الأوساط السياسية والرأي العام ووسائل الإعلام، في تقرير شرعية المهام والعمليات العسكرية والطرق التي تُدار بها واقعياً. أما الفصل الرابع فيركز على تدويل المؤسسات العسكرية، إذ في ضوء التوازن المأزوم بين المهمات العسكرية والموارد المتاحة، أمست هذه المؤسسات بحاجة إلى التعاون مع نظيراتها في الدول الأخرى. ولأسباب تتعلق بالشرعية أيضاً، فقد تحتم على القوات المسلحة الوطنية العمل مع مؤسسات أخرى وبصيغ مختلفة للتعاون متعدد الأطراف بشكل متواصل. ويقدم الفصل الخامس صورة حول ميدان البحث والتطوير والابتكار في المؤسسة العسكرية، موضحاً أن هذه المؤسسة تعتمد في عملها على التقنية إلى أبعد الحدود، ويرتهن نجاحها بالإنجازات التقنية المتواصلة.

أما في القسم الثاني من الكتاب، فقد احتلت القضايا ذات الصلة بالتنسيق الداخلي والاستعداد للعمليات (التأهب) موقعاً مركزياً، حيث يشتمل الفصل السادس على نظرة عامة للمفاهيم والمدركات المتعلقة بهيكلة المؤسسات العسكرية وتهيئتها لعمليات انتشار مؤقتة يتم تنفيذها في الخارج. فطرق التنظيم الوظيفية التقليدية لم تعد كافية، بسبب افتقارها إلى المرونة وتقلص نطاق تأثيرها. لذلك برزت فكرة التنظيم التركيبي، لعلها تسهم في تيسير نشر وحدات مصممة حسب المهمة، إضافة إلى تحقيق قدر معين من اللا مركزية. وفي فصل حول «توريد الخدمات العملياتية والإسنادية في المؤسسات العسكرية»، يركز الكتاب على أهمية الضوابط التنظيمية، مع ميل إلى التركيز على توفير الخدمات داخل المؤسسة العسكرية، أو إيكال بعض نشاطاتها إلى مؤسسات تجارية. هذا، بينما يعالج الفصل الثامن التخطيط الفعلي للعمليات، بما تشمله من المسائل اللوجستية، وإدارة الموارد، وتقنية المعلومات، والنشاطات الاستخباراتية.

وفي القسم الثالث من الكتاب يتوجه الاهتمام صوب العمليات الفعلية في المؤسسة العسكرية وقيادة الأشخاص المشاركين فيها، لذلك فهو يقدم في فصله التاسع نظرة عامة حول الدراسات التي تناولت مسألة القيادة بوجه عام وفي المؤسسة العسكرية على وجه الخصوص. ثم يسلط الضوء، في الفصل التالي، على ما يحدث حين تواجه الوحدات العسكرية وأفرادُها أحداثاً جساماً، مربكةً ومهدِّدة للحياة. ثم يوضح في الفصل الحادي عشر أن المؤسسات العسكرية بحاجة إلى إيلاء اهتمام كافٍ للمعضلات الأخلاقية والمعنوية أثناء إدارة عملياتها العسكرية. ويركز في الفصل التالي على أهمية دور القانون العسكري في إدارة العمليات، حيث يملك القادة العسكريون كل الوسائل اللازمة، وفي مقدمتها قانون الانضباط، لمعالجة أي سلوك جنائي أو غير لائق في صفوف قواتهم. كما يركز الفصل الثالث عشر على موضوع شائع في نظرية التنظيم والإدارة، وهو توظيف الثقة والرقابة لبلوغ النتائج المتوخّاة، متسائلاً: متى يحتاج المرأ إلى المزيد من هذه وإلى قليل من تلك؟ وهل هناك مزيج أمثل بينهما؟ ثم يتقصى في الفصل التالي ميزة أخرى تحتم تعزيز مبدأ الثقة، ألا وهي الشراكات العسكرية مع الآخرين. وتحت عنوان «المؤسسات العسكرية والاستجابة للأزمة الوطنية»، يستقرئ الكتاب في فصله الخامس عشر إحدى مهمات المؤسسة العسكرية التي قد تغيب عن الذهن أحياناً، وهي تأمين المعونات الإنسانية أثناء الكوارث الطبيعية أو الإنسانية التي يمكن أن تحل في الداخل أو الخارج.

وفي رابع أقسام الكتاب نصل إلى المرحلة الأخيرة في دورة التخطيط والتحكم، وهي مراقبة النتائج والفاعلية العملياتية، فيهتم في فصله السادس عشر بجانب السيطرة على العملية العسكرية، متسائلاً: كيف يمكن للقادة العسكريين أن يكونوا على دراية تامة بما يجري في ميدان المعركة؟ وكيف يمكنهم الحصول على البيانات الإدارية وتنسيقها بالوتيرة المطلوبة؟ وكيف يتسنى لهم إيصال أوامرهم وأهدافهم على النحو الذي يضمن تنفيذها بشكل صحيح؟ لذلك ينصب الاهتمام في الفصل السابع عشر على قياس الأداء في العمليات العسكرية الجارية، أي تحديد مدى فاعلية ما يتم فعله في منطقة العمليات، من خلال إجراءات التثبت من الآثار والنتائج بالتحليل العملياتي أو تحليل الأداء المؤسس على الدليل. كما يعالج في الفصل الثامن عشر «تعلّم المؤسسات العسكرية والتغيّر التنظيمي»، أي السبل التي تسعى المؤسسات العسكرية من خلالها لكي تصبح مؤسسات تعلُّم مستمر. ثم يتحرى الكتاب في فصله التاسع عشر حول «إدارة رفاهية أفراد المؤسسة العسكرية وأُسرهم»، مستقصياً حول نتائج العمليات العسكرية على صحة أفراد المؤسسة ورفاهيتهم هم وعوائلهم، بمعنى أن لا تفضي عمليات نشر الجنود وإشراكهم في مواقف عنيفة ومجهدة إلى آثار سلبية على الصحة العقلية والنفسية والبدنية للعسكريين وذويهم.

وأخيراً يقدم الكتاب في فصله العشرين خلاصةً لما عرضته الفصول السابقة على اختلافها، مع التركيز على تعددية الواجبات المطلوبة من القوات العسكرية في الوقت الحالي، حتى في إطار المهمة الواحدة، وهو ما يشير إليه بمفهوم «إيجاد القيمة غير المتجانسة».

وخلال هذه المناقشة الطويلة والدقيقة في أقسام الكتاب وفصوله، نجد إلحاحاً على فكرة عامة ورئيسية، وهي أنه ينبغي للعسكريين، اليوم ومستقبلاً، امتلاك القدرة على تحقيق توازن غير تقليدي ما بين السلوكيات الإدارية التقليدية المعمول بها في ظروف السلام، وأساليب القيادة العسكرية الأصيلة في الظروف المهدِّدة.

محمد ولد المنى

الكتاب: إدارة المؤسسات العسكرية العسكرية.. النظرية والتطبيق

المؤلفون: جماعة

الناشر: مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية

تاريخ النشر: 2016

   
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

هل تحد السياسات الأميركية الجديدة من الهجرة العربية للغرب عموما؟

نعم
لا