• الأربعاء 25 جمادى الأولى 1438هـ - 22 فبراير 2017م

السياسة الخارجية و«الرسالة الاستثنائية»!

تاريخ النشر: الجمعة 06 يناير 2017

ذات صباح بارد قبل نحو 16 عاماً، زار صحفيان الرئيس الأميركي المنتخب في مزرعته في كروفورد، بولاية تكساس. فقدّم إليهما الأخير القهوة وقال: «إني لا أفهم ما الذي كان يتحدث عنه جور»، في إشارة إلى الجدل الذي طبع الحملة الانتخابية حول ما كان ينبغي للولايات المتحدة أن تضطلع به في «بناء الدول»، ثم أكّد لهما أنه لن يسقط في فخ السعي لتغيير العالم في وقت يوجد فيه الكثير من الأشياء التي ينبغي القيام بها داخل البلاد.

غير أنه بعد أقل من عام على ذلك، غزا جورج دبليو. بوش أفغانستان، ثم أتبعها بالعراق، لينكب بعد ذلك على اثنتين من أكبر وأخطر التجارب الأميركية في تشكيل مجتمعات أخرى منذ مخطط مارشال في أوروبا عقب الحرب العالمية الثانية. وبحلول حفل تنصيبه الثاني، كان بوش قد غيّر قناعاته كلياً؛ حيث بات يرى أن مهمة سامية وجليلة تقع على عاتق أميركا، إذ قال: «إن سياسة الولايات المتحدة تكمن في السعي إلى تنمية الحركات والمؤسسات الديمقراطية في كل دولة وثقافة ودعمها». وقال أيضاً: «عندما تدافع عن حريتك، فإننا سنقف إلى جانبك».

اليوم وبينما يستعد رئيس أميركي منتخب آخر لتسلم السلطة، نجد أنه يقول كلاماً يذكّر إلى حد كبير بما قاله بوش الابن للصحفيين في مطبخ منزله الريفي ذالك الصباح. ففي مقابلتين صحفيتين العام الماضي، قال دونالد ترامب إنه يرفض مهمة بناء الدول أيضاً، مضيفاً أن تركيزه منصب على «أميركا أولاً»، وهذا يعني إرسال عدد قليل من الجنود الأميركيين إلى الخارج، فيما عدا الحالات التي يتوجب فيها إرسال جنود من أجل قتل الإرهابيين، وعلاقة تعاقدية مع حلفاء الولايات المتحدة يدفعون بموجبها نصيبهم العادل من تكاليف الحماية الأميركية.

والتر ماكدوجل، أستاذ التاريخ والعلاقات الدولية بجامعة بنسلفانيا والحائز جائزة بوليتزر عن عمله التأريخي لبرنامج الفضاء الأميركي، يحذّر في كتاب «مأساة السياسة الخارجية الأميركية»، من أن الرؤساء الأميركيين عادة ما يكونون عرضة لـ«إغراء المثالية» بمجرد تسلمهم السلطة، إذ سرعان ما يعتنقون فكرة مؤداها أن لأميركا مهمة خاصة في هذا العالم وأن الله يباركها ويبارك خطواتها؛ وهكذا تتحول الديمقراطية لسلعة قابلة للتصدير، كما يقول.

إبان القرن التاسع عشر، كان هذا الأمر يقتصر على القارة الأميركية في الغالب، يقول ماكدوجل. غير أنه عندما تحققت فكرة «القدر الواضح»، التي كانت رائجة في القرن التاسع عشر (وهي فكرة إمبريالية تقول بأن الولايات المتحدة لديها حق وواجب التوسع عبر القارة الأميركية الشمالية، وترتكز على ثلاث نقاط: الفضائل والقيم الخاصة التي تميز الشعب الأميركي ومؤسساته، مهمة أميركا في تحسين العالم وصنعه على شاكلتها، والقدر الإلهي المتمثل في النهوض بهذه المهمة بتوجيه من الله)، أصبح تطبيق الفكرة عالمياً مغرياً جداً. وهكذا، فمن ثيودور روزفيلت إلى جون كينيدي إلى رونالد ريجان.. واصلت أميركا إعادة الالتزام بإعادة صنع العالم.

والواقع أن هذا الموضوع ليس جديداً، فقد طرقه آخرون مثل والتر راسل ميد، في كتاب «العناية الإلهية الخاصة»، الذي نُشر بعيد هجمات 11 سبتمبر، وساق حججاً قوية ومقنعة حول كيف أن تصورات مختلفة لـ«الاستثناء الأميركي» كانت تُستعمل لتبرير المغامرات الأميركية الخارجية. لكن كتاب ماكدوجل، وحجته القائلة بأن هذا الإيمان بالدور الخاص لأميركا في العالم ومباركة الله لها كثيراً ما يطغى على مناقشة جادة للمصالح الوطنية الأميركية، وهو يأتي في وقت بات فيه الرأي العام الأميركي يميل كثيراً إلى الاتجاه الآخر. ذلك أن انتخاب ترامب يعزى، جزئياً، إلى قدرته على بيع وإقناع عدد مهم من الأميركيين بقصة أميركا التي تنشئ قوة دفاعية مهيبة، لكنها لا تستعملها إلا ضد الأجانب الذين يهدّدون أمنها وسلامتها.

غير أن التدخلات الأميركية الفاشلة في الخارج، على مدى الـ15 عاماً الماضية، وضعت الأميركيين، في الوقت الراهن على الأقل، في وضع دفاعي، حتى لا نقول في مزاج يميل إلى الانكفاء والانطواء على الذات. ونتيجة لذلك، لم يعد أي سياسي يجرؤ على الحجاج اليوم بأن المهمة الإلهية للولايات المتحدة تتمثل في جلب الحرية للعالم. فهل معنى هذا أن النزعة القديمة قد اختفت للأبد؟ الواقع أن دروس التاريخ تشير إلى أنها ستعود من جديد.

وكنموذج لطغيان هذه القناعات على تفكير الرؤساء الأميركيين، يشير ماكدوجل إلى أنه إبان الحرب الباردة لم تكن المعركة ضد الشيوعية الإلحادية تلبس لبوس الوطنية فحسب، ولكن أيضاً نوعاً من أنواع التدين. حيث يلفت، مثلا، إلى أن الرئيس هاري ترومان «لم يكن عالم دين، بل إنه لم يكن حتى متديناً جيداً. ولكن عندما كان يتعلق الأمر بامتلاك الأسلحة النووية، كان يقول: إنا نحمد الله لأنها أتتنا، ولم تأت أعداءنا. ونسأله أن يرشدنا إلى استخدامها على نحو ما يريد، ومن أجل ما يريد»!

محمد وقيف

الكتاب: مأساة السياسة الخارجية الأميركية

المؤلف: والتر ماكدوجل

الناشر: يل يونيفرستي برِس

تاريخ النشر: نوفمبر 2016

   
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

هل تحد السياسات الأميركية الجديدة من الهجرة العربية للغرب عموما؟

نعم
لا