• الاثنين 22 ربيع الأول 1439هـ - 11 ديسمبر 2017م

محمد العريان

عن الكاتب

أرشيف الكاتب

دلالات صعود «داو جونز»

تاريخ النشر: الخميس 12 يناير 2017

ارتفع مؤشر «داو جونز» الصناعي، إلى ما يقارب 20,000 نقطة في السادس من يناير الجاري، وهو مستوى قياسي لم يصل إليه من قبل، يراقب الآن عن كثب (وتثور ضجة بشأنه) من قبل وسائل الإعلام المالية في مختلف أنحاء العالم. يتفق معظم الخبراء على أن الأمر لا يعدو كونه مسألة وقت، قبل أن يتم الوصول إلى هذا الإنجاز التاريخي. ولكن التأثير الأطول مدى له يحتاج، مع ذلك، إلى المزيد من النقاش.

دعونا نبدأ بالتسليم، بأن مؤشر «داو جونز» الصناعي، بعيد عن أن يوصف بالشمولية عندما يتعلق الأمر بالمحتوى التحليلي. فالمؤشر يغطي مجموعة ضيقة للغاية من الأسهم والسندات، وبالتالي فإنه يعاني من قصور في التمثيل. كما أن منهجيته الحسابية، تنطوي على إشكالية في حد ذاتها، نظراً لتركيزها المبالغ فيه على سعر السهم المطلق، على حساب قيمته السوقية. وكنتيجة لذلك، نجد أن هناك أسماء قليلة لبنوك ومؤسسات يمكنها تحريك المؤشر بدرجة كبيرة، كما حدث مؤخراً، على سبيل المثال، مع جولدمان ساكس، وجي بي مورجان تشيس، المسؤولين عن جزء كبير من الاتجاه الصعودي للمؤشر، منذ بدايات نوفمبر الماضي.

على رغم ذلك، يُشار إلى «داو» بكثافة، عندما يتعلق الأمر بمعلومات العناوين الرئيسية لأداء الأسواق المالية. علاوة على ذلك، يجب أن ندرك أن الولايات المتحدة، ليست هي الدولة الوحيدة في العالم التي تغازل المستويات القياسية لمؤشرات الأسهم والسندات. في الوقت نفسه نجد أن مؤشري ستاندرد آند بورز 500، وناسداك- الأكثر تمثيلاً من داو جونز- قد وصلا إلى- أو اقتربا من- أعلى مستوى يصلان إليه في تاريخهما على الإطلاق. بناء عليه، يمكننا القول إن تقييم الآثار المترتبة على الضجة المثارة حول وصول مؤشر داو إلى 20,000 نقطة يمكن أن يتلخص في نهاية المطاف في تقييم حجم الإشارة ذاتها، وتأثيرها على تصرفات المستثمرين والأعمال، وتداعيات ذلك على الحوكمة الاقتصادية. يجب ألا يكون لدينا شك كبير، حول نتائج تلك الإشارة. فوصول «داو» إلى مستوى 20,000، سيكون، بلا شك، مادة خصبة لوسائل الإعلام.

على المستوى الأكثر جوهرية، لم يفعل وصول مؤشر داو لمستوى 20,000 نقطة سوى القليل من أجل تقليل معدل عدم الثقة العام في المؤسسة المالية، والذي تعاظم بسبب الأزمة المالية العالمية عام 2008 وتداعياتها اللاحقة. فحتى هذه اللحظة، مازال الكثير من الناس يعتقدون أن بيانات الأسواق المالية «يجري تزويرها»، وأنه يجري التلاعب بها لتحقيق المنفعة للمطلعين على بواطن الأمور في تلك الأسواق في المقام الأول. فضلاً عن أن الأداء القوي للسوق المالية، يتناقض تناقضاً حاداً مع التوعك الصحي العام، والمشاعر المقلقة، الناتجة عن سنوات طويلة من النمو غير الكافي وغير الشامل، بالإضافة إلى المستوى غير المعتاد من عدم اليقين بشأن الظروف الاقتصادية، والمالية، والسياسية.

نفس الحذر مطلوب، ومبرر أيضاً، عندما يتعلق الأمر بـ«الغرائز الحيوانية» في قطاع الشركات والمؤسسات. فالوفرة المرتبطة مع الزيادة المثيرة للاهتمام في الأسهم والسندات، بعد الانتخابات، ظلت حتى الآن، ظاهرة مالية من حيث الجوهر. وهذه الظاهرة وإنْ كانت قد جعلت مسألة إصدار الشركات للسندات أكثر يسراً مما كانت عليه، فإنها لم تترجم حتى الآن إلى تغييرات ذات شأن في الاستثمارات المالية، وغيرها من أنواع السلوكيات المحفزة للإنتاجية، والتي توفر الوقود لمحركات أكثر قوة لربحية تلك الشركات والمؤسسات من ناحية، وللنمو الاقتصادي من ناحية أخرى. وليس من المرجح أن يتغير هذا الحال بمجرد تحقيق إنجاز مالي تاريخي.

التأثير المباشر الأكثر أهمية لوصول مؤشر داو إلى مستوى 20,000 قد يكون أقل ارتباطاً بتوسيع قاعدة المستثمرين، والتحفيز الشديد للسلوك المنتج للأعمال التجارية المختلفة، وأكثر ارتباطاً بتشجيع السياسيين للنهوض بمسؤولياتهم في مجال الحوكمة الاقتصادية. فالسياسيون، على الرغم من أي شيء، يحبون دوماً أن تظل شعبيتهم مرتفعة.

السبب الرئيسي لاقتراب مؤشر داو من هذا المستوى القياسي، يتمثل في مزيج من التصريحات السياسية المحفزة للنمو من جانب الرئيس المنتخب، والأمل الذي يراود كثيرين هو أن يتمكن الكونجرس الأقل اختلالاً في أدائه الوظيفي، من سابقه في عهد أوباما، من الاشتغال على هذه المقترحات. والسياسة بدورها يمكنها أيضاً المساعدة في تغيير السوق، والمشاعر الاقتصادية، وقيامها - من خلال ذلك- بتأسيس بيئة أكثر تمكيناً للنمو. وفي الحقيقة إن الأمل الحقيقي للمستثمرين، والأهم للاقتصاد الأوسع نطاقاً - هو أن ينتهي هذا الإنجاز المالي، بالمساعدة في تشجيع وتمكين الكونجرس، الذي أخفق على مدى سنوات طويلة، في النهوض بمسؤولياته في مجال الحوكمة الاقتصادية.

ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست وبلومبيرج نيوز سيرفس»

   
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا