• الاثنين 22 ربيع الأول 1439هـ - 11 ديسمبر 2017م

«ماكرون».. والطريق الثالث

تاريخ النشر: الجمعة 17 فبراير 2017

في أواخر شهر نوفمبر الماضي تزامن إعلان وزير المالية الفرنسي السابق مانويل ماكرون عن ترشحه للانتخابات الرئاسية مع إصداره كتاب: «ثورة.. إنها معركتنا من أجل فرنسا»، الذي حاول به، في الواقع، اصطياد عصافير كثيرة بحجر واحد، حيث إنه كتاب ترويجي مثل طلقة استهلالية لحملة هذا القادم الجديد إلى السباق الرئاسي، وهو أيضاً سيرة ذاتية لماكرون أراد من خلالها تعريف الفرنسيين بكل تفاصيل حياته ومسيرته المهنية والسياسية. وأيضاً هو كتاب برنامج سياسي وانتخابي عرض من خلاله رؤيته لحاضر ومستقبل بلاده، مع محاولة معمقة لتقديم كل الحجج الكفيلة بجعل الناخبين يولونه الثقة، باعتباره سياسياً نظيف اليد، وخبيراً في الاقتصاد، وذا مسحة يسارية إنسانية تدغدغ عادة مشاعر الطبقات الشعبية، وتجذب شعب اليسار العريض، في بلاد الثورة والثوار الأولى. وقد تعمد اختيار كلمة «ثورة» تحديداً لتوليد واستدعاء ذلك الشعور الدفين في خيالات كثير من الفرنسيين بنوع من الحنين إلى أمجاد الثورة الفرنسية الكبرى سنة 1789، وخاصة أن شرائح غير قليلة من الشعب الفرنسي تشعر الآن بنوع من الانفصال عن الطبقة السياسية بجناحيها الكبيرين، اليسار الحاكم واليمين المعارض، وأيضاً بنوع من عدم جدوى العمل الحزبي والسياسي العام في ظل تفاقم الأزمات الاجتماعية والاقتصادية المزمنة التي يرزح في إسارها الفرنسيون من بطالة مستشرية، وتراجع في معدلات القدرة الشرائية، وتحديات الأمن، وفشل سياسات المدينة، ومشكلات التعليم والصحة والاندماج والعلمانية.. إلخ. وقد جاء مفعول هذا الكتاب الذي أطلقه ماكرون سريعاً لجهة رواجه حيث طبعت منه 200 ألف نسخة، ووصل إلى الترتيب الخامس بين الكتب الأكثر مبيعاً في فرنسا، متفوقاً بذلك على كتاب منافسه مرشح اليمين التقليدي فرانسوا فيون الذي صدر قبل كتاب ماكرون بشهرين، والذي عزف على وتر حساس هو تحدي الأصولية الإسلامية.

غير أن الأثر الإيجابي الأكبر لهذا الكتاب- البرنامج الموسع الواقع في 270 صفحة تمثل في القفزة الهائلة التي حققها من خلاله ماكرون في استطلاعات الرأي، حيث بدأ رأساً من الترتيب الخامس بين مرشحي الرئاسة الفرنسية مع أنه مرشح مستقل من خارج الأحزاب الكبرى، وقد بلغت المفاجأة الذروة مع وصوله الآن إلى الترتيب الثاني بين مرشحي الرئاسة، وخاصة بعد انهيار شعبية فيون على خلفية «فضيحة بينلوب» المنسوبة لزوجته! ولذا بات كثير من الفرنسيين الآن ينظرون إلى ماكرون باعتباره صاحب الحظ الأوفر في دخول قصر الإليزيه في شهر مايو المقبل، وذلك لأن أبرز منافسيه زعيمة حزب «الجبهة الوطنية» اليميني المتطرف، التي تطاردها هي أيضاً فضيحة مالية أخرى ذات صلة بأموال البرلمان الأوروبي، إن وصلت معه إلى الشوط الثاني، فسيضطر اليمين التقليدي وكافة أحزاب اليسار للتكتل ضمن تحالف جمهوري داعم لماكرون، سداً لأبواب الرئاسة على لوبن. وقد سعى ماكرون، بشكل خاص، لإقناع قراء كتابه أنه حين يتحدث في الأمور المالية والاقتصادية، فهو يعرف جيداً من أين تؤكل الكتف، وقد عايش عن قرب خلفيات وأسباب كثير من مآزق الاقتصاد الفرنسي، والتحديات والأعباء التي تتكبدها دولة الرفاه الفرنسية الآن، ولكنه سيحاول اجتراح حلول لكل ذلك دون الوقوع تحت رحمة تغول الرأسمال المتوحش أو تحميل الطبقات الشعبية ثمن أية إصلاحات اقتصادية، على عكس منافسه فيون الذي تعهد بتقليص نصف مليون وظيفة من القطاع العام. والحال أن حل مشكلات الاقتصاد دون أعباء أو تضحيات اجتماعية جسيمة أمر ذو شعبية انتخابية كبيرة، وهذه نبرة عزيزة على قلوب أنصار اليسار واليسار المتطرف بشكل خاص، وقد أخذ كثيرون على الحزب الاشتراكي الحاكم الآن أنه لم يستطع خلال سنوات الرئيس فرانسوا أولاند الخمس إيجاد حل لمعادلة الفشل الاقتصادي والمبدئية اليسارية ذات المسحة الإنسانية.

كما لا يغفل الوزير السابق الشاب أيضاً محاولة إقناع الفرنسيين بأنه هو بالذات مرشح الأمل والعمل الذي يستطيع الإتيان بالجديد إلى الحقل السياسي الفرنسي، وذلك من خلال تقديم سيرة شخصية مفصلة تعرض كل كبيرة وصغيرة من حياته حتى يعرف الجميع أنه ليس لديه ما يخفيه، وليس له سابق فساد، ولا تدور حوله شبهة مالية أو أخلاقية، كما أنه نموذج للمثقف الملتزم بالهم العام ذي الثقافة العالية الذي يمكن أن يكون نموذجاً لجيل كامل من الشباب الفرنسي. وبعد ذلك ينكبُّ ماكرون على تدبيج تشخيص موسع لحالة البلاد اليوم، وتقديم خريطة طريق دالة على المخارج الممكنة.

وخلال كل ذلك يحاول ماكرون إقناع الفرنسيين بأن لديه طريقاً ثالثاً بين إخفاق سياسات اليسار الحاكم الآن مع أولاند، وذاكرة الفساد والفشل التي تركها آخر حكم لليمين أيضاً في عهد ساركوزي، بحيث يستطيع هو شق طريق ثالث جديد قادر على جعل فرنسا تستعيد عافيتها الاقتصادية، ومركزيتها الأوروبية، ومحوريتها على الساحة الدولية، وقبل هذا وذاك جعل البلاد متصالحة مع ذاتها في الداخل، وقادرة على إحداث ثورة جديدة على نفسها، وعلى كافة مآزقها وأوجاعها الراهنة. وكل هذا يجعل كثيراً من المراقبين يتوقعون لماكرون أن يكون هو الحصان الأسود في سباق الإليزيه، وهو البديل لكل ما هو قائم من صور الفشل والفساد السياسي. ولكونه مرشحاً من خارج النسق، وتقويماً سياسياً قائماً بذاته، ربما صار في القريب العاجل بمثابة ترامب فرنسا الآتي في الطريق.

حسن ولد المختار

الكتاب: ثورة.. إنها معركتنا من أجل فرنسا

المؤلف: إيمانويل ماكرون

الناشر: XO

تاريخ النشر: 2016

   
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا