• الثلاثاء 03 شوال 1438هـ - 27 يونيو 2017م

سياسة واشنطن في عالم تطبعه الفوضى

تاريخ النشر: الجمعة 17 فبراير 2017

صورة قاتمة يمكن رسمها عن أوضاع العالم اليوم، فالقوانين والسياسات والمؤسسات التي نظمت شؤون العالم منذ الحرب العالمية الثانية باتت تبدو قديمة ومتجاوَزة عموماً، ولم يعد احترام سيادة البلدان وحده قادراً على ضمان النظام في عصر يتميز بتحديات عالمية، من الإرهاب والانتشار النووي إلى تغير المناخ والهجمات الإلكترونية. وفي الأثناء، أخذ التنافس بين القوى الكبرى يعود إلى الواجهة. صحيح أن الولايات المتحدة مازالت أقوى بلد في العالم، لكن السياسة الخارجية الأميركية تزيد الأمور سوءاً في بعض الأحيان، سواء بسبب ما تقوم به الولايات المتحدة (في العراق وأفغانستان) أو بسبب ما لا تقوم به (في سوريا وفلسطين). وعلاوة على ذلك، فإن الشرق الأوسط غارق في الفوضى (أربعة حروب)، وآسيا مهدَّدة من قبل ما تراه واشنطن صعوداً صينياً ونظاماً كورياً شمالياً متهوراً، وأوروبا التي كانت على مدى عقود المنطقة الأكثر استقراراً في العالم، لم تعد كذلك مع تدفق المهاجرين، وصعود اليمين المتطرف، والتوتر مع روسيا.. إلخ. وفضلا عن ذلك، فإن انتخاب دونالد ترامب في الولايات المتحدة والتصويت غير المتوقع لصالح «البريكسيت» في بريطانيا، أشّرا إلى أن الكثير في الديمقراطيات الحديثة ترفض جوانب مهمة من العولمة، مثل الحدود المفتوحة في وجه التجارة والمهاجرين.

وفي كتابه الجديد «عالم في حالة فوضى»، يقف ريتشارد هاس، رئيس «مجلس العلاقات الخارجية» في نيويورك، وقفة تأمل هادئة لتقييم أوضاع العالم اليوم وسياسة أميركا الخارجية، ليخلص إلى أن الاتجاه الغالب اليوم هو «اتجاه تراجع النظام». وفي هذا السياق، يكتب قائلا: «سيكون من الصعوبة بمكان إدارة القرن الحادي والعشرين، لأنه يشكّل انحرافاً عن قرابة أربعة قرون من التاريخ أتت قبله، أو ما ينظر إليها عادة باعتبارها الحقبة المعاصرة».

فبعد سقوط جدار برلين ونهاية الحرب الباردة، يقول هاس، لم يظهر نظامٌ عالمي جديد يبعث على الأمل، مثلما توقع البعض، بل حل محلَّ الاستقرارِ النسبي للعالم ثنائي القطبية، الذي كانت تتعامل فيه الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي، الدولتان النوويتان، مع بعضها البعض بنوع من الحذر وضبط النفس، عالمٌ معقد متعدد القطبية، خاضع لقوى العولمة، والانتشار النووي، والتكنولوجيا سريعة التحول.

وخلال السنوات الأخيرة، ساهم صعود الشعبوية والتطرف في الديمقراطيات الناضجة، والسلطوية في بلدان أخرى، في تكريس حالة انعدام الاستقرار.

ومن «التطورات المقلقة» التي يشير إليها هاس في الكتاب، «ازدياد التنافس بين عدد من القوى الكبرى في هذه الحقبة، واتساع الهوة بين التحديات العالمية والردود الدولية عليها، وكثرة النزاعات وإمكانية اندلاعها في عدد من المناطق، والأزمات والتغيرات السياسية التي تحدث داخل العديد من البلدان، بما فيها الولايات المتحدة، والتي من المرجح أن تزيد من صعوبة وضع وتطبيق سياسة خارجية يمكن أن تساعد العالم على مواجهة كل التهديدات المحدقة بالنظام».

هاس يكتب بطريقة تعكس امتلاكه ناصية الموضوع الذي يكتب فيه، حيث ينتقل بسلاسة من مناقشة مسائل مثل الدور الذي يستطيع رجال الدولة الأدهياء الذين يجيدون فن الدبلوماسية لعبه في تحقيق السلام أو تجنب الكوارث إلى تفاصيل العلاقات المتشعبة والمتشابكة في بؤر ساخنة مثل سوريا وأفغانستان. ولئن كان القراء قد لا يتفقون مع كل تقييماته، فإن كتاب «عالم في حالة فوضى» يقدم نظرة قيّمة على الوضع الراهن لشؤون العالم، ويضعه في سياقه التاريخي من خلال سرد تاريخي وجيز ومقنع للعلاقات الدولية، من سلام «ويستفاليا» (الاتفاقيات الموقعة في 1648 التي أنهت «حرب الثلاثين عاماً») إلى نهاية الحرب الباردة، إضافة إلى تحليل واضح ومقتضب للقوى والأحداث التي شكّلت ملامح المشهد العالمي اليوم.

في كتاب «عالم في حالة فوضى»، يدعو هاس إلى ضرورة تحديث النظام العالمي على نحو يعكس حقيقة أن القوة باتت موزعة على نحو واسع وأن الحدود أضحت أقل أهمية. تحديث يمر عبر تبني مقاربة جديدة تجاه السيادة، مقاربة تعترف بواجباتها ومسؤولياتها إضافة إلى حقوقها ووسائل حمايتها.

ويقول هاس إن «النسخة الأولى» من النظام العالمي كانت تتمثل في نظام من الدول ذات السيادة تعترف فيه البلدان ببعضها البعض وتحترم قدرة بعضها البعض على القيام بكل ما تريد فعله تقريباً داخل حدودها. وبالمقابل، يتوجب على دوله ألا تنتهك حدود بعضها البعض بواسطة القوة العسكرية. غير أن ذلك لم يعد كافياً في عالم العولمة، كما يقول، ففي هذا العالم لم تعد الأشياء الجارية داخل بلد ما شأنه وحده فقط. وعلى سبيل المثال، فإذا تفشى مرض في بلد من البلدان، فإنه يمكن أن يهدِّد جميع البلدان عبر العالم –بسبب العولمة– مثلما حدث مع «إيبولا» أو «زيكا». أو إذا كان ثمة إرهابيون سُمح لهم بأن ينشطوا في بلد ما، أو قراصنة سُمح لهم بالتحرك داخل أراضي بلد آخر، فإن ذلك يمكن أن يؤثر على الجميع. وعلى هذه الخلفية، يدعو هاس إلى ما يسميه عالم «واجب السيادة»، أو «نسخة ثانية من النظام العالمي»، حيث يتعين على البلدان أن تدرك وتعترف بواجبها في التحقق من أن لا تخرج من أراضيها أشياء يمكن أن تكون لها تأثيرات مؤذية للآخرين، وهذا يشمل الإرهاب، وتغير المناخ، والأمراض.. إلخ. ويعتقد أن هذا ينبغي أن يكون المبدأ الموجِّه الجديد للسياسة الخارجية الأميركية.

ومن جهة أخرى، يبدو هاس قلقاً من ازدياد الدَّين الأميركي، ويخشى من أنه بات لدى الولايات المتحدة دين أكبر واقتصاد أضعف من أن يجعلها مؤثرة في العالم. ولئن كان يعتقد أن الاقتصاد الأميركي مقبل على النمو، وأن من ِشأن حزمة من التدابير التي تشمل خفض الضرائب، ورفع القيود، أن تؤدي إلى زيادة مهمة في نمو الاقتصاد الأميركي، فإنه يعتبر أن الدين هو كعب أخيل الولايات المتحدة، وأنه إذا استمرت البلاد في السماح بارتفاع كلفة الإنفاق على البرامج الاجتماعية، مثل «الضمان الاجتماعي» و«ميدي-كير» و«ميديك- إيد»، وزاد مستوى الإنفاق على أشياء مثل البنى التحتية، فإن الدين الأميركي سيرتفع لا محالة، وهو ما سيضع الولايات المتحدة في وضع هش وضعيف إزاء تقلبات الأسواق أو مخططات محافظي البنوك المركزية في بلدان أخرى. وهذا شيء يجب على الولايات المتحدة معالجته قبل أن يخرج عن السيطرة، كما يقول.

وإلى ذلك، يتناول الكتاب بعضا من المواضيع نفسها التي غطاها هنري كيسنجر، مستشار الأمن القومي ووزير الخارجية الأميركي في إدارتي الرئيسين ريتشارد نيكسون وجيرالد فورد، وزبيجنيو برزيزينسكي، مستشار الأمن القومي في إدارة الرئيس جيمي كارتر، في كتابين صدرا خلال الآونة الأخيرة. فعلى غرار كيسنجر في كتابه «النظام العالمي» (2014)، فإن هاس كثيراً ما يركز على التطورات التاريخية التي جعلت العالم أكثر ترابطاً وفي الوقت نفسه أكثر عرضة لقوى التجزئة والتقسيم. وعلى غرار كيسنجر أيضاً، يقف هاس مبهوراً ببعض التحولات -مثل «البريكسيت» في بريطانيا والانتخابات الأميركية الأخيرة- على إحداث اختلالات في التوازن الدولي.

وعلى غرار برزيزينسكي في كتابه «رؤية استراتيجية» (2012)، يرى هاس أن الولايات المتحدة تلعب دوراً ضرورياً في حمل «جزء كبير من عبء إنشاء والحفاظ على النظام على المستويين الإقليمي والعالمي، وهو دور كثيرا ما شكّك فيه ترامب من خلال شعاره «أميركا أولا». وفي هذا الإطار، كتب هاس يقول: «إن الولايات المتحدة هي أقوى دولة في العالم وستظل كذلك على الأرجح لعقود مقبلة»، مضيفاً: «لا يوجد بلد آخر أو مجموعة بلدان لديها القدرة أو الاستعداد لإنشاء نظام دولي».

وفي ما قد يبدو أشبه بتحذير لإدارة ترامب ومقاربته المثيرة للجدل بخصوص السياسة الخارجية وسياسة الأمن القومي الأميركي، يضيف هاس قائلا: «ينبغي على الولايات المتحدة أن تكون حذرة وتتجنب انحرافات مفاجئة أو حادة بخصوص ما تفعله في العالم، وذلك لأن ثبات وانسجام المواقف والموثوقية هي خصائص أساسية بالنسبة لقوة عظمى. والأصدقاء والحلفاء الذين يعتمدون على الولايات المتحدة في أمنهم بحاجة لأن يوقنوا أن هذا الاعتماد آمن وفي محله. أما إذا تسرب الشك إلى نفوسهم، فإن ذلك سيؤدي لا محالة إلى عالم مختلف جداً وأقل نظاماً. وحينها، سيرى المرء اثنين من ردود الفعل: إما عالم ينحو أكثر نحو الاعتماد على النفس، من دون انتظار المساعدة من أحد، عالم تسعى فيه البلدان للإمساك بزمام أمورها بنفسها على نحو قد يكون متعارضاً مع أهداف الولايات المتحدة، أو عالم تخضع فيه البلدان لتأثير ونفوذ دول إقليمية أكثر قوة، الأمر الذي سيخل بميزان القوة».

محمد وقيف

الكتاب: عالم في حالة فوضى.. السياسة الخارجية الأميركية وأزمة النظام القديم

المؤلف: ريتشارد هاس

الناشر: بينجوِن برِس

تاريخ النشر: 2017

   
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا