• الجمعة 25 جمادى الآخرة 1438هـ - 24 مارس 2017م

د. عبدالحق عزوزي

عن الكاتب

أرشيف الكاتب

عن قيم التضامن والمواطنة والمساواة

تاريخ النشر: الثلاثاء 21 مارس 2017

حظيت ست شخصيات مغربية برزت في مجالات مختلفة بتكريم خاص بالعاصمة العلمية فاس، في حفل بهيج نظمته منذ أيام إحدى الجمعيات النشيطة. وشمل التكريم الذي أقيم احتفاء باليوم العالمي للمرأة، خمس نساء من مدن مغربية متنوعة لمعْن في حقول الشعر والقضاء والبحث العلمي والعمل الجمعوي، إضافة إلى شخصية رجالية بصمت حضوراً داخل المجتمع المدني. ‬ويتعلق ‬الأمر ‬بالشاعرة ‬والحقوقية ‬سميرة ‬فرجي، ‬والقاضية ‬عائشة ‬الناصري، ‬والباحثة ‬العلمية ‬أسمهان ‬الوافي، ‬والاقتصادية ‬زهرة ‬المعافري، ‬والموثقة ‬وفاء ‬جقاوة، ‬وكذا ‬الفاعل ‬الجمعوي ‬عبد ‬المجيد ‬المكني. ‬وقد ‬كان ‬لي ‬شرف ‬إلقاء ‬كلمة ‬بهذه ‬المناسبة، ‬وبالضبط ‬في ‬حق ‬الأستاذة ‬وفاء ‬جقاوة ‬وعملها ‬الجمعوي.

في كلمتي توقفت عند أربع نقاط أجملها فيما يلي:

-يذكر مؤرخو السيرة النبوية، أن بعض نساء رسول الله صلى عليه وسلم، ولعلها أم سلمة، حسب رواية النسائي وأحمد، قالت للرسول صلى الله عليه وسلم: ما لنا لا نذكر في القرآن كما يذكر الرجال؟ وكان من التصور أن يجيبها صلى الله عليه وسلم بأن الخطاب القرآني كله، ما لم يخصص، موجه إلى الرجال والنساء على السواء، غير أن الجواب عن السيدة السائلة جاء من السماء، في سورة الأحزاب: (إِنَّ المسْلِمِينَ وَالمسْلِمَاتِ والمؤْمِنِينَ والمؤْمِنَاتِ والقَانِتِينَ والقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالخاشِعِينَ وَالخاشِعَاتِ وَالمتَصَدِّقِينَ وَالمتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالحافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالحافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيراً وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُم مغفِرَةً وَأَجراً عَظِيماً)‬... ‬فهذه ‬الآية ‬الكريمة حكم ‬بالمساواة ‬في ‬التأهيل ‬الإلهي ‬الروحاني ‬للرجال ‬والنساء، ‬مساواة ‬في ‬التعبد، ‬أعمالاً ‬وأحوالاً، ‬وفي ‬ثمرة ‬التعبد، ‬وهي ‬المغفرة ‬والأجر ‬العظيم، ‬وبهذا ‬الحكم ‬لا ‬تحتاج ‬نساء ‬الإسلام ‬إلى ‬من ‬يتكلف ‬الدفاع ‬عنهن ‬في ‬باب ‬المساواة.

-نبغت في تاريخ الحضارة العربية الإسلامية الآلاف من العالمات المبرَّزات والمتفوقات في أنواع العلوم وفروع المعرفة وحقول الثقافة العربية والإسلامية، وقد ترجم الحافظ بن حجر في كتابه «الإصابة في تمييز الصحابة»، لثلاث وأربعين وخمسمئة وألف امرأة، منهن الفقيهات والمحدثات والأديبات. وذكر كل من الإمام النووي في كتابه «تهذيب الأسماء واللغات»، والخطيب البغدادي في كتابه «تاريخ بغداد»، والسخاوي في كتابه «الضوء اللامع لأهل القرن التاسع»، وعمر رضا كحالة في «معجم أعلام النساء»، وغيرهم ممن صنف كتب الطبقات والتراجم، ذكروا تراجم مستفيضة لنساء عالمات في الحديث والفقه والتفسير وكذلك لأديبات وشاعرات.

وقد تفوقت المرأة المسلمة على الرجل في جوانب كثيرة في علوم الحضارة الإسلامية، فنجحت كحاكمة وقاضية وكمحاربة وقائدة للجيوش وكمحتسبة وفقيهة.

-في صفحات تاريخ الحضارة الإسلامية شواهد لنساء فضليات ما زالت أعمالهن تشهد لهن بنبلهن وبعد نظرهن، ولعل أفضل مثال ناطق هو جامعة القرويين بمدينة فاس بالمغرب، وهي أول جامعة أنشئت في تاريخ العالم، وأقدمها على الإطلاق، وبنيت الجامعة كمؤسسة تعليمية لجامع القرويين الذي قامت ببنائه السيدة فاطمة بنت محمد الفهري عام 245 ه/859م، وهذا المشروع ظل إلى اليوم شامخاً ناطقاً يرفع من شأن المرأة المسلمة إلى يوم الدين.

-بالنسبة للمحتفى بها في المجال الاجتماعي وهي الأستاذة الموثقة وفاء جقاوة، فهي امرأة الظل التي تعمل في خفاء وصمت، ومن محبات الخير، وممن وهبن حياتهن، مع زوجها، للوقوف بجوار المريض والمسكين والمحتاج، وتلك خصائص كريمات الناس من أهل المغرب.

لم أتوقف في تدخلي عند الجمعيات الخيرية والاجتماعية التي تشتغل فيها، فمن الناس من يحب أن يخفي عمله ويترك الأجر والقبول عند الله، ولكنني دعوت الحضور الكريم إلى قراءة «ألكسي دو توكفيل» وبالأخص كتابه عن الديمقراطية في أميركا الذي كتبه بعد رحلته إلى أميركا في أبريل 1831 ومارس 1832 عندما كان وزيراً لخارجية فرنسا، وهو من أقْيم الكتب وصفاً للديمقراطية التي تسود المؤسسات الأميركية، ونشأتها وكيفية عملها والعوامل الداخلية والخارجية التي تقويها، وقد نظر إليها من زاوية السياسي الكبير وعالم الاجتماع المحنك.

واكتشف من خلال تحليله النواة المحركة للتنمية والديمقراطية في أميركا، فوجدها في منظمات المجتمع المدني التي تسمح بالتأثير في مضمون القرارات الجماعية الملزمة للكل والتنمية الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، بل وحتى الدينية... وما ينساه كثير من المحللين الغربيين عندما يقومون بتحليل الاستثناء المغربي، هو قضية دور المجتمع المدني والجمعيات التي تعد بالآلاف في البلد، وهي ليست من خلق الدولة، ولها الأثر الكبير في رقي المجتمع والتمرين المستمر على قواعد المواطنة والمساواة والإيثار والتأثير على الفاعلين داخل المجال السياسي العام، وهذا سر التقدم.

   
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

هل تحد السياسات الأميركية الجديدة من الهجرة العربية للغرب عموما؟

نعم
لا