• السبت غرة صفر 1439هـ - 21 أكتوبر 2017م

د. أكمل عبد الحكيم

عن الكاتب

أرشيف الكاتب

المخاطر والوفيات في سنوات المراهقة

تاريخ النشر: الخميس 18 مايو 2017

أطلقت منظمة الصحة العالمية منتصف الأسبوع الحالي، تقريراً يتعلق بصحة المراهقين، وبأسباب الوفيات بينهم، أظهر مجموعة من الحقائق التي يمكن في أقل تقدير أن توصف بأنها مؤسفة، إن لم تكن مفجعة. فبداية، نص التقرير على أن 3 آلاف مراهق يلقون حتفهم يومياً، وهو ما يترجم إلى 1.2 مليون وفاة سنوياً، غالبيتها وفيات نتيجة لأسباب كان من الممكن تجنبها، ومنعها من الأساس. ويقع أكثر من ثلثي هذه الوفيات بين شعوب الدول الفقيرة ومتوسطة الدخل، وخصوصاً في أفريقيا وجنوب شرق آسيا.

وبتحليل أسباب تلك الوفيات، احتلت حوادث الطرق رأس القائمة، ثم عدوى الجهاز التنفسي السفلي، ثم الانتحار، ثم أمراض الإسهال، ثم الموت غرقاً. والمؤسف أن غالبية هذه الأسباب، وما نتج عنها من وفيات، كان من الممكن تجنبها من خلال نظام رعاية صحية جيد، ومن خلال التعليم، والدعم الاجتماعي. إلا أنه للأسف، لم يتوفر لجزء كبير من المراهقين المصابين باضطرابات نفسية أو عقلية، أو ممن وقعوا في براثن الإدمان، أو يعانون من سوء تغذية على صعيد الكمية أو النوعية، قدر من الرعاية الصحية الكفيلة بمنع تحول هذه الظروف السلبية إلى أرقام وإحصائيات وفيات بينهم، إما بسبب أن هذه النوعية من الرعاية الصحية غير متوفرة في مجتمعاتهم وأماكن معيشتهم أو نتيجة جهلهم بكيفية الحصول عليها.

وبخلاف الوفيات التي تحدث في سنوات المراهقة، من المعروف والثابت أن السلوكات الصحية السيئة والسلبية خلال هذه المرحلة من عمر الإنسان، يتردد صداها خلال مراحل العمر اللاحقة، في شكل نمط حياة غير صحي يتوطن فيه الكسل وعدم ممارسة النشاط البدني أو الرياضة، والاعتماد على غذاء غير صحي، وسلوكيات جنسية تعرض صاحبها للإصابة بالأمراض الجنسية المعدية، وهي جميعها سلوكيات غالباً ما تبدأ في سنوات المراهقة.

فبخلاف الأمراض والعلل التي تصيب المراهقين في هذه المرحلة من حياتهم، لا يحظى 80 بالمئة منهم بقدر كافٍ من الرياضة والنشاط البدني، وهو ما يؤدي إلى النتيجة المؤسفة والمتجسدة في حقيقة أن ثلاثة أرباع الوفيات بين البالغين - من أمراض مزمنة غير معدية - ترتبط بشكل وثيق بعوامل خطر بدأت في مرحلة المراهقة. فالمعروف أن الكثير من السلوكيات الضارة، مثل التدخين، وشرب الكحوليات، وتعاطي المخدرات، غالباً ما تبدأ في سنوات المراهقة، وتستمر مع الشخص باقي مراحل حياته، لتؤثر سلباً وبشكل فادح على جوانب متعددة من حالته الصحية. وهو ما ينطبق أيضاً على نمط الحياة والعادات الشخصية غير الصحية، وهي السلوكيات التي، وإن كانت غالباً ما تبدأ وتتأصل في سنوات الطفولة ومرحلة المراهقة، تتضح يوماً بعد آخر فداحة تبعاتها على باقي المراحل اللاحقة من الحياة.

ويرد جزء كبير من تلك المشاكل الصحية وما ينتج عنها من وفيات بين المراهقين، إلى ميل هذه الطائفة العمرية إلى تعريض أنفسهم للخطر دون الأخذ في الاعتبار التبعات والنتائج، كما أنهم غالباً ما يدعون ويتظاهرون بعدم اهتمامهم بالجوانب الصحية، ولا بالرعاية الطبية، رغم أنهم خلال مرحلة ما من نموهم العقلي والجسدي يصيبهم القلق على صحتهم، لكنهم يفتقدون من يوجه لهم النصح والإرشاد ليقلل من قلقهم هذا.

ولسنوات طويلة، لطالما افتقدت القضايا الصحية الخاصة بالمراهقين مقدار الفهم والتفهم الذين تحتاجهما، وفي بعض الحالات تم تجاهل هذه القضايا عن عمد. هذا الوضع تغير مؤخراً لحد كبير، مع إدراج صحة المراهقين، ونموهم وتطورهم، كمكون رئيسي ضمن الاستراتيجية الصحية الدولية، المعنية بصحة النساء والأطفال والمراهقين. هذه النظرة الحديثة لصحة المراهقين، عبر عنها سكرتير عام الأمم المتحدة بقوله: «المراهقون يحتلون موقعاً رئيسياً في جميع الأهداف المستقبلية التي نطمح إلى تحقيقها، وفي مقدار النجاح الذي سنحققه ضمن أجندة 2030».

فمن خلال الاستثمار في صحة المراهقين، يمكن تحقيق ثلاثة أهداف بضربة واحدة، أولاً: منع الوفيات غير الضرورية بينهم، ورفع مستوى صحتهم في الوقت الحالي. ثانياً: وقايتهم من الأمراض الناتجة عن السلوكيات الصحية السلبية خلال المراحل اللاحقة من حياتهم. ثالثاً: مدى هذه الفوائد إلى أطفال مراهقي اليوم، والذين سيشكلون أجيال المستقبل المتعاقبة. وهو ما يجعل من صحة ورفاهية مراهقي اليوم، الركيزة والأساس لإنشاء مجتمعات مستقبلية، تتمتع بالاستدامة، وبقدر مرتفع من صحة ورفاهية الأفراد.

   
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا