• الجمعة 30 محرم 1439هـ - 20 أكتوبر 2017م

د. عمار علي حسن

عن الكاتب

أرشيف الكاتب

قوميون عرب جدد

تاريخ النشر: الجمعة 19 مايو 2017

على رغم ما يجري في بعض الدول العربية من حروب أهلية واضطرابات اجتماعية، فليس من المستساغ أن يترك «القوميون العرب» نضالهم الفكري الذي امتد قرابة قرن كامل ينتهي إلى فشل ذريع، أو ينسحب إلى الهامش، مكتفياً بمتابعة محايدة باردة لما يجري من تشكل للأفكار والسلوكيات السياسية في العالم العربي، ابتداء من تغيير اصطلاح «الوطن العربي» إلى «العالم العربي» ثم هبوطه إلى «المنطقة العربية»، وانتهاء بطرح مشروع يرمي إلى إنهاء «النظام الإقليمي العربي» سياسياً واقتصادياً وثقافياً، ويجعل من «العروبة» مصطلحاً تاريخياً.

ومن العبث أن يعتقد القوميون أن الحل يتمثل في إعادة الزمن إلى الوراء، والتمسك بأفكار وأعمال ثبت خطؤها، ومخاصمة السياق الجديد الذي يفرض نفسه على العرب، شاءوا أم أبوا، والذي ساهموا هم أنفسهم في صنعه.

ومن الخطيئة أن يتصور القوميون أن النضال ضد أي مشروع، يرمي إلى هضم العرب، يقوم على الاكتفاء برفض ما هو مطروح، بحناجر مدوية، وكتابات مشحونة بالعاطفة الخالية من أي منطق، أو تفكير عقلاني واقعي، يقوم على حسابات دقيقة، لما بين أيدينا، وما لدى الآخرين، وعلى فهم ودراية كاملة بمتطلبات مرحلة لا تقبل ذهنيات وسلوكيات عفا عليها الزمن.

فمن دون ذلك سيزداد العروبيون غربة في بلادهم، وتصبح أطروحاتهم عن الأمة الواحدة الممتدة جغرافياً من الخليج إلى المحيط، وتاريخياً من عدنان وقحطان إلى جامعة الدول العربية، وثقافياً واجتماعياً من لغة الضاد إلى أغلبية تدين بالإسلام، مجرد أضغاث أحلام، لا تلبث أن تذوب أمام شمس حارقة بحقائق مغايرة.

ومن دون ذلك ستخسر هذه البقعة الجغرافية من العالم، التي تمثل مهبط الرسالات السماوية ومهد الحضارات الإنسانية، جهد ملايين المخلصين، الذين آمنوا بفكرة شغلت لفيفاً من المفكرين والسياسيين، ودفع لأجلها مئات الملايين ثمناً باهظاً، لأن «الإخلاص» وحده لا يكفي، بل يجب أن يقترن بالصواب، الذي يحوله من طاقة عاطفية هادرة إلى تصورات قابلة للتطبيق، وقادرة على حل المشكلات الطارئة والمزمنة، وتحويل الهزيمة إلى نصر، والتخلف إلى تقدم، والقعود إلى نهوض.

هنا باتت الحاجة ملحة، والساحة مهيأة، لميلاد تيار قومي آخر، يستفيد من أخطاء الماضي، ويرنو إلى المستقبل بثقة بعد أن يمتلك شروط ميلاد الغد على أكف الحاضر من دون عنت ولا عناء. إنه تيار يمثل «قوميين جدد»، يتخلون عن رمي كل من يخالفهم الرأي بالخيانة والعمالة، بل يعملون على «التوقف والتبين» أمام كل حالة على حدة.

وعلى القوميين الجدد أن يؤمنوا تماماً بالحرية، ويعلموا أن غيابها ساهم في تردي أحوال النظام العربي، وساعد على ارتفاع درجة قابليته للاستعمار أو الانفجار. كما أن عليهم أيضاً أن يوجهوا جهدهم أولاً إلى ترتيب البيت العربي من الداخل، حجرة حجرة، أو دولة دولة، عن طريق المضي قدماً في التحديث، السياسي والاقتصادي والثقافي، بعد أن تضع الحروب والاضطرابات أوزارها. فالديمقراطية أولى علامات إمكانية استعادة العرب حيويتهم في النظام الدولي، لأنها ستجعل القرار في يد الشعوب.

وحيال هذا الوضع بات التجديد السياسي «فرض عين» أمام العرب، وإلا مات مشروعهم القومي، المتيبسة مفاصله، والمدفوع عنوة إلى معركة غير متكافئة نسبياً، مع مشروع إقليمي شرق أوسطي، الذي وإن خفت الكلام عنه نسبياً في وقتنا الحالي، فإن تنفيذه ماض في طريقه المخطط له، من دون هوادة ولا تراجع.

والتجديد السياسي يعني في المقام الأول مفارقة مثالب الأيديولوجيات، التي اعتنقتها تيارات قومية عربية عدة، على مدار القرن العشرين، وفي مقدمتها «الناصرية» و«البعثية»، وامتلاك رؤى وتصورات خلاقة قادرة على التكيف من واقع جديد، يختلف كلية، عن ذلك الذي مثل سياقاً دولياً ومحلياً للحركة والتفكير القومي العربي قبل أكثر من نصف قرن تقريباً.

   
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا