• السبت غرة صفر 1439هـ - 21 أكتوبر 2017م

إميل أمين

عن الكاتب

أرشيف الكاتب

ترامب والاستدارة إلى الشرق الأوسط

تاريخ النشر: الجمعة 19 مايو 2017

لعل المتابع المدقق لسيرة ومسيرة الرئيس الأميركي دونالد ترامب، يدرك جيداً أن ترامب المرشح الانتخابي، يختلف عن ترامب الرئيس الجالس في البيت الأبيض، كما أن ملامح سياسته في الشهرين الماضيين تختلف أيضاً بشكل جذري عن التوجهات التي مضى في طريقها في زمن الانتخابات.

ولعل التساؤل عن الرئيس ترامب وسياساته بات يكتسب أهمية خاصة في الشرق الأوسط وأوربا هذه الأيام، ولاسيما بعد الإعلان عن زيارته المقبلة للمنطقة، حيث المملكة العربية السعودية بداية، ثم إسرائيل تالياً، وصولاً لحاضرة الفاتيكان ثالثاً، وكأن الرجل يحمل أكثر من رسالة تتراوح ما بين السياسة والدين، وهذا أمر ليس بغريب في هذه الآونة، ولاسيما أن هناك ظاهرة الإرهاب الأسود، حيث الأغراض السياسية تتخفى وراء العباءات الدينية.

مؤشرات التغيير

لا شك أن من استمعوا إلى شعار «أميركا أولاً» على لسان ترامب خلال المنافسة الانتخابية، عطفاً على بقية توجهاته السياسية والاقتصادية، تجاه الصين بنوع خاص، ثم تجاه أوروبا كحليف رئيس في «الناتو»، قالوا إن الرجل سيغلب الاهتمام بالشأن الداخلي الأميركي فقط، وعدم خوض معارك خارجية قد تقود البلاد إلى الضرر المادي والمعنوي، وباختصار المشهد، انسحاب واشنطن من دورها، الذي أجادته منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، أي «شرطي العالم»... فهل كان هذا التوصيف صحيحاً؟

سياسة قلب السترة

في قراءة عميقة نشرت تحت عنوان «ماذا لو لم يقلب ترامب سترته؟»، يتساءل الكاتب والباحث الفرنسي المعروف «تيري ميسان» عن دونالد ترامب الذي انتخب بناء على برنامجه لإنهاء الإمبريالية وخدمة مصالح شعبه، وهل انتقل بخططه إلى وجهة أخرى بعد ثلاثة أشهر فقط من وصوله إلى البيت الأبيض؟

ودافع «ميسان» هنا هو التحول الذي طرأ على سياسة ترامب، فبعد شهر عسل مع موسكو، وبخاصة مع الرئيس فلاديمير بوتين، قلب له ترامب ظهر المجن، بدرجة أو بأخرى، ففيما يخص سوريا رأيناه يقصف مطار الشعيرات، في اتجاه معاكس لأحاديثه السابقة التي كان بعض المراقبين يفهمونها على أنها دعم مباشر للأسد. وتبع ذلك تخليه عن المجموعة اليمينية المقربة منه، وفي المقدمة منها الجنرال مايكل فلين، الذي أجبر على تقديم استقالته بسبب إشكالية لقاءاته مع السفير الروسي في واشنطن. ثم ذهب ترامب إلى عزل «ستيف بانون» من مجلس الأمن القومي، وبذلك تم تقليص أهميته الاستراتيجية داخل إدارة ترامب. وتقول الأنباء الواردة من واشنطن إن هناك أيضاً نية في الطريق لإزاحة «سباسيتان غوركا» عما قريب... وهنا التساؤل هل كانت عملية الإزاحة هذه سبباً في تحويل دفة سياسات ترامب حول العالم عامة وفي الشرق الأوسط خاصة؟

وعلى صعيد السياسات الخارجية، خاصة في مواجهة القوى الدولية المرشحة لمنافسة الولايات المتحدة، وفي مقدمتها الصين، وجدنا تطوراً، مثيراً، ذلك أن ترامب خلال حملته الانتخابية كان رافضاً لسياسة «الصين الواحدة»، بل إنه أجرى محادثات أو اتصالات هاتفية مع رئيسة تايوان، الأمر الذي أثار قلق الصين. ثم إن ترامب كان يتهم بكين بالتلاعب بقيمة عملتها «اليوان» تحت طائلة التسبب في «حرب تجارية»! غير أنه عاد لاحقاً إلى دائرة الاعتراف بـ«الصين الواحدة»، وغير مواقفه من الناحية الاقتصادية، ففي مقابلة له مع جريدة «وول ستريت جورنال» يؤكد على أن «الصينيين لا يتلاعبون بعملتهم»، كما أشاد أيضاً على المستوى الشخصي بنظيره الصيني شي جين بينغ، بعدما استقبله في السادس والسابع من أبريل الماضي في فلوريدا.

والسؤال الذي يطرح نفسه هنا... هل غير ترامب سياساته تحت ضغوطات المؤسسة التقليدية الأميركية ولاسيما الجنرالات؟

«ميرشايمر» و«والت» وأميركا الجديدة

من بين أهم الأسماء الأكاديمية الأميركية في العقدين الأخيرين، يذكر اسم البروفيسور «جون ميرشايمر» أستاذ العلوم السياسية في جامعة شيكاغو، ورائد تيار السياسة الواقعية الأميركية في جانبها الهجومي، والبروفسيور «ستيفن والت»، أستاذ الشؤون الدولية بمدرسة جون كيندي التابعة لجامعة هارفارد، ورائد تيار السياسات الأميركية في جانبها الدفاعي. وهذان الأستاذان والمفكران قدما عبر مجلة «الفورين آفيرز» الرصينة عدد يوليو- أغسطس 2016 دراسة ربما كانت هي التي تعيد رسم السياسات الأميركية في إدارة ترامب.

الدراسة جاءت تحت عنوان «التوازن خارج المجال: استراتيجية التفوق الأميركية الكبري»... فما الذي توحي به هذه الاستراتيجية التي تحتاج لقراءة خاصة؟ تهتم استراتيجية «التوازن خارج المجال» Offshor Balancing بعودة «أميركا أولاً» بالفعل، كما يريد ترامب، ولكنها تسلك من أجل تحقيق هذا الهدف، طريقاً استراتيجياً غير الطريق الذي مضت فيه التيارات السياسية الأميركية التي آمنت بما عرف بـ«الهيمنة الليبرالية»، وقد كان آخر صور وتطبيقات تلك التيارات، فترة حكم جورج بوش الابن، الذي روج لفكرة نشر الديمقراطية في العالمين العربي والإسلامي، حتى وإن كان ذلك عن طريق نشر «الفوضى الخلاقة»، وما قادت إليه من تفكك وانهيارات لبعض دول الشرق الأوسط على نحو خاص.

ويعني مصطلح «التوازن خارج المجال»، الاهتمام بكل ما هو بعيد عن مجال الأراضي الأميركية بنوع خاص، مما لابد من الاهتمام به والتركيز عليه حتى تضمن الولايات المتحدة استمرار تفوقها على الساحة الدولية. وتقول سطور الوثيقة إن: بإمكان واشنطن أن تتخلى عن جهود طموحة لتشكيل بقية المجتمعات وتركز على ما يهمها فعلاً، أي الحفاظ على هيمنة الولايات في ثلاثة أماكن حول العالم: أوروبا الحليف التقليدي للسياسات الأميركية منذ الحرب العالمية الثانية بنوع خاص. وقطاع شرق آسيا وهذا فيه روسيا القطب الذي عاد بالفعل إلى التأثير في مسرح السياسة الدولية، وأصبح فاعلاً إلى الدرجة التي تشاغل النسر الأميركي وتشغله، وقد عرف بوتين جيداً، كيف يستغل أخطاء الرئيس الأميركي السابق أوباما ليملأ فراغات القوة ولتخسر واشنطن كل مربع قوة ملأته روسيا بنفوذها وخاصة في الشرق الأوسط. ثم يبقى القطاع الثالث وهو الخليج العربي، المتصل بكل تأكيد مع الشرق الأوسط وقضاياه.

أهداف التوازن خارج المجال

تسعى استراتيجية «التوازن خارج المجال»، لدفع واشنطن في اتجاه هيمنة «براجماتية مستنيرة» إن جاز التعبير، بمعنى أنه بدلاً من سياسة العالم أي قيادته سياسياً، وحراسته، فإن واشنطن ستشجع بقية بلدان العالم على أخذ زمام المبادرة لمراقبة - وعرقلة - القوى الصاعدة المناوئة، وتكتفي هي بالتدخل لحظة الضرورة فحسب.

ولكن هل تعني هذه الاستراتيجية أن الولايات المتحدة يتحتم عليها التخلي عن مكانتها باعتبارها القوة العظمى الأولى في العالم، أو التراجع داخل «القلعة الأميركية» الكلاسيكية التقليدية؟ على العكس من ذلك ترى هذه الورقة الفكرية المثيرة للتأمل، أن السير على هذا النهج، سيحافظ على الريادة الأميركية لأمد بعيد في المستقبل، كما أنه يحافظ أيضاً على مكسب الحرية داخل أميركا نفسها.

عن الشرق الأوسط والخليج العربي

حتى نفهم سر الاهتمام الأميركي المتزايد بمنطقة الشرق الأوسط، والخليج العربي في القلب منها، وكذا الزيارة الاستثنائية وغير المسبوقة للرئيس ترامب خلال الأيام المقبلة للمنطقة، يتعين علينا التأمل في أمرين، الأول الحقيقة الجيوسياسية الأولى اليوم، وهي التمدد الروسي في المنطقة العربية والخليجية، ولاسيما العلاقات الروسية- الإيرانية التي تتلاعب بها مع التوازنات الأميركية الاستراتيجية. والتدحرج الصيني إلى المنطقة لإيجاد مناطق نفوذ جديدة للقطبية الصينية الصاعدة، والتي قد تخصم ولا شك كثيراً من الرصيد الأميركي التقليدي في المنطقة، منذ الحرب العالمية الثانية وحتى الساعة.

في ولايتي أوباما، وربما قبلهما في واقع الحال، ومنذ أحداث الحادي عشر من سبتمبر، روج كثيرون لطرح أن الشرق الأوسط لم يعد مهماً بالنسبة للولايات المتحدة، وأن النفط العربي قد فقد أهميته الاستراتيجية التي عرفها العالم منذ ظهوره وحتى الساعة، ومرد ذلك إلى المقدرة التكنولوجية الأميركية على استخراج النفط الصخري.

ولكن استراتيجية التوازن خارج المجال تنفي جملة وتفصيلاً هذا الحديث، ذلك أنها إن كانت تعتبر أوروبا وشرق آسيا منطقتين توجد فيهما بقية القوى العالمية، فإن المنطقة الثالثة أي الخليج العربي، تنتج نحو 30% من النفط العالمي، وعليه فإن للولايات المتحدة مصلحة كبرى في عرقلة صعود أي طرف مهيمن يمكنه أن يتدخل ليحول دون تدفق النفط من المنطقة، وبالتالي إلحاق الضرر بالاقتصاد العالمي، وكذا تهديد الازدهار الأميركي.

الخليج أولوية استراتيجية

لعل أفضل من يقدم رؤية موضوعية وعقلانية عن أهمية الخليج هو الخبير الاستراتيجي الأميركي «أنتوني كوردسمان»، الذي يرى في ورقة بحثية له صدرت مؤخراً أنه على رغم كل ما يقال عن انصراف الاهتمام الأميركي عن الشرق الأوسط والتوجه نحو آسيا، فإن ذلك ليس صحيحاً البتة، وحتى إن كانت الولايات المتحدة قد أصبحت أكثر توجهاً نحو آسيا في عهد أوباما، فإن هذا التوجه لم يأت على حساب الشرق الأوسط، وإنما على حساب أوروبا، وهو ما يعني أن الاهتمام والدور الأميركي بالمنطقة ظل كما هو... ولكن هل من بيانات وأرقام تدعم حديث «أنتوني كوردسمان»؟ هنالك الميزانية الدفاعية الأميركية لعام 2015، ففيها أرقام تشير إلى أن الخليج العربي سيبقى منطقة اهتمام من الدرجة الأولى بالنسبة لواشنطن حتى عام 2040 على أقل تقدير.

فالقراءة المتأنية لبنود هذه الميزانية توضح استمرار اهتمام أميركا بالمنطقة وبأمن حلفائها من خلال عدة مظاهر منها التعبير عن عزمها إعادة إرسال قوات عسكرية لدعم دولة حليفة كالعراق، ودعم وجود بحري وجوي في الخليج قبل ذلك، ونشر سفينة قيادة جديدة للقوات الخاصة، وسفن مزودة بصواريخ دفاعية في مناطق واسعة إلى جانب السفن الحربية الدورية، هذا إضافة إلى طائرات الشبح إف– 22، وفي النية استبدالها بطائرات إف– 32 في المدى القريب.

ترامب وإيران... مراجعة السياسات

شكلت ولايتا أوباما فترة حرجة في العلاقات الخارجية الأميركية- الخليجية وعليه فقد بدا واضحاً أن ترامب يسعى سعياً حثيثاً لإعادة تصويب المجال، فقد جاءت الرؤى الأوبامية تجاه إيران، وبخاصة التوصل إلى الاتفاق النووي معها، مخيبة لكثير من الآمال، وغاضة النظر عن حقيقة أطماع الهيمنة الإيرانية على منطقة الخليج العربي، بل والشرق الأوسط، عبر تصدير الأفكار بداية، أفكار ثورة الخميني، وتالياً تفعيل أجنحتها العسكرية أي الميلشيات، مثل الحوثيين في اليمن، و«حزب الله» في لبنان، و«حماس» في فلسطين، و«الحشد الشعبي» في العراق، وهي أحلام وطموحات لا تداريها طهران ولا تواريها.

ومنذ نحو أسبوعين كانت إدارة ترامب تمضي في طريق مراجعة جذرية لأوضاع إيران والتزاماتها، ولعل الذرائعية الأميركية، وبخاصة لدى رئيس هو في الأصل رجل يجيد عقد الصفقات، كانت المرد الرئيس فيما يجري. وهنا كان السؤال الحيوي والجوهري: هل يمكن لواشنطن- ترامب أن تنحاز يوماً ما لطهران- الملالي؟

إن هناك حقائق استراتيجية واقتصادية وديموغرافية وجيوسياسية تجعل دول مجلس التعاون هي الكفة الراجحة لواشنطن في مواجهة طهران ومنها ما يلي:

-تدرك واشنطن بحسب «كوردسمان»، أن أعداد السُّنة حول العالم تفوق أعداد الشيعة كثيراً، وأن السنة لا يطلقون على الأميركيين وأميركا لفظة «الشيطان الأكبر»، كما تفعل إيران، وبالتالي لا توجد عداوة هيكلية في نفوس المسلمين السنة اتجاه الأميركيين.

-من الجانب الاقتصادي، ووفقاً للبيانات الواردة في كتاب الحقائق العالمية الذي تصدره الاستخبارات المركزية الأميركية (World Fact Book)، فإن دول مجلس التعاون الخليجي وحدها تمتلك اقتصادات وإمكانيات تجارية تفوق بكثير ما تمتلكه إيران، ذلك أن ناتج الدخل المحلي لدول مجلس التعاون يصل إلى 1.6 تريليون دولار، فيما الناتج الإيراني لا يتجاوز 412 مليار دولار، والأرقام هنا لا تأخذ في حسبانها العراق. ولا يمكن مقارنة الحجم التجاري الإيراني بمثيله الخليجي لأن الفارق كبير، فواردات إيران لا تتجاوز 64 مليار دولار في العام 2014، في مقابل 506 مليارات لدول الخليج.

-والجزئية المثيرة التي تتوقف عندها استراتيجية «التوازن خارج المجال» والمتصلة بالمخزون النفطي، تؤكدها الأرقام، فالاحتياطي النفطي، حتى نهاية عام 2013، بلغت في دول مجلس التعاون الخليجي نحو 497 مليار برميل، في مقابل 157 مليار برميل لإيران.

-أما فيما يتعلق بالغاز الطبيعي، فإن دول المجلس تمتلك احتياطياً يبلغ 4751 تريليون قدم مكعب، في مقابل 1193 تريليون قدم مكعب لإيران، وهو ما يمثل 23% من مجمل الاحتياطي العالمي، في مقابل 2.18% لإيران.

هل المشهد يتوقف فقط عند حدود المنافع الاقتصادية؟

بالقطع لا، ذلك أن واشنطن ترى أن طهران راعية للإرهاب الدولي حول العالم وفي المنطقة العربية، ولعل ذلك يتصل بشكل جوهري بمخططات ترامب للتعاطي مع دول الخليج العربي والعالم الإسلامي في الأيام المقبلة من ناحية محاربة الإرهاب، والتي لابد أن تشهد شراكات تتسق وفكرة التوازن خارج المجال... كيف ذلك؟

العرب وأميركا ومكافحة الإرهاب

في أوائل شهر مايو الجاري كشفت وكالة «رويترز» عن 11 صفحة تمثل مسودة للاستراتيجية الأميركية الجديدة لمحاربة الإرهاب، وهي بحق مثيرة، ذلك أنها تدفع حلفاء أميركا في طريق الشراكة المتساوية ضد الإرهاب الدولي. والمسودة تؤكد أن هزيمة الإرهاب مسألة تحتاج إلى نفَس طويل، ولا يمكن القضاء عليه بسهولة ويسر اعتياديين مثل التمرد في حال اندلاع الثورات. وتقول الوثيقة التي ستصدر خلال الشهر المقبل: «تحتاج عملية مكافحة الإرهاب إلى تكثيف التخطيط والعمليات ضد الجماعات الجهادية العالمية، وفي الوقت نفسه خفض تكاليف».

والوثيقة، في مسودتها، تسعى إلى تجنب التدخلات العسكرية الأميركية المكلفة واسعة النطاق لتحقيق أهداف مكافحة الإرهاب، وتتطلع بشكل متزايد إلى الشركاء لتقاسم مسؤولية التصدي للجماعات الإرهابية.

وهذا يؤكد أن رؤية «جون ميرشايمر» و«ستيفان والت»، في ورقتهما «التوازن خارج المجال»، هي التي توجه عقل ترامب وجنرالاته، ذلك أنها ترى أن «على واشنطن مشاركة المسؤولية مع القوى الإقليمية، طالما أن لدى هذه القوى مصلحة عظمى في الحيلولة دون أن تسيطر أي دولة عليها».

هنا تصبح دول العالم العربي والإسلامي شركاء فاعلين لواشنطن، لا تابعين لما ترسمه من سياسات، ذلك أن لديها ما يهم أميركا واقتصادها، وعلى أرضها تدور رحى معركة ضد الإرهاب، والأهم الذي يجب أن يتنبه إليه صناع القرار في العالم العربي، هو أن تلك الاستراتيجية تعود بنفع كبير على الأميركيين أنفسهم، ومن تلك المنافع:

-عن طريق تقليص مساحات المواجهات العسكرية تلتزم القوات الأميركية بالدفاع عن بقية الدول، ودفعها إلى الضغط بوزنها أكثر.

-تقليص حجم الموارد التي يجب على الولايات المتحدة أن تخصصها للدفاع.

-تتيح مزيداً من الاستثمار والاستهلاك داخل الأراضي الأميركية.

-تضع بشكل أقل حياة الأميركيين في خطر.

على أن فكرة التوازن الاستراتيجي التي يمكن أن يسعى ترامب لتفعيلها في زيارته المقبلة للمنطقة، إنما تقلص كذلك من مخاطر نشوء الإرهاب على الأراضي العربية والإسلامية خاصة، فمقاربة «الهيمنة الليبرالية» الأميركية التي التزمت نشر الديمقراطية على أسنة الرماح وسنابك الخيل الأميركية، شكلت احتلالاً عسكرياً لأطراف وجدت نفسها أضعف عسكرياً من مواجهة الجيوش الأميركية، وبالتالي كانت تلك السياسات «إلهاماً للإرهاب والإرهابيين»، وسهل ذلك للمتطرفين عملية البحث عن سبل عنيفة للرد على الحضور الأميركي وشركاه في المنطقة.

ومن هنا يدرك المرء أن القرارات الاستراتيجية الجديدة التي تم فحصها وتمحيصها من طرف جنرالات ترامب، تسعى لأن تجد لها حضوراً عالمياً وعربياً، وبخاصة عبر تخفيف حدة اللجوء الأميركي للقوة المسلحة، من خلال تحاشى الهندسة الاجتماعية والتقليل من بصمة الوجود العسكري الأميركي.

ولكن، والرسالة هنا واضحة لإيران تحديداً، فإن هناك شرطاً واحداً للتدخل العسكري الأميركي، هو أن تكون أراضي الحلفاء في إقليم حيوي مهددة من قبل طرف مهيمن ما، وأن يسعى أصحاب الأرض لطلب العون، وحتى لا ينظر لواشنطن على أنها محتل عوضاً عن كونها مخلصاً.

أميركا والمنطقة.. عهد جديد

أكد ترامب مؤخراً أنه صانع استراتيجيته بنفسه، وأنه قد هزم كل أعضاء مجلس الشيوخ وكل حكام الولايات (المرشحين في الانتخابات التمهيدية للحزب الجمهوري)، وبالتالي فلم يكن ليغير استراتيجيته ليواجه هيلاري كلينتون... ولكن السياسات الخارجية الأميركية يشارك في صنعها أيضاً تيار كبير من المفكرين والسياسيين، والعسكريين والمسؤولين الاستخباريين، وكذا الأكاديميين، وهذا ما يجعل من التجربة الأميركية مثار إعجاب حول العالم. وإن جازت لنا استعارة تعبير الأديب أمين معلوف في وصفه لأوروبا، فإن أميركا وما فيها من «رجال ومرجعيات» فهذا هو ما يجعلها «مدينة فوق جبل» بُمثلها وليس بقوتها العسكرية.

فهل العالم العربي على موعد مع فترة شراكة استراتيجية جديدة مع أميركا- ترامب، تنافي وتجافي ما جرى في زمن أوباما؟ إن غداً لناظره قريب.

   
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا